الشيخ محمد رشيد رضا

549

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

قصدتها مرة لشراء دواء منها فتصباها حتى صارت تختلف إلى الصيدلية لأدنى حاجة ثم لغير حاجة الخ فسدت العقائد والاخلاق وتركت العبادات ، وأبيحت الأعراض واستبيحت المحرمات ، وعبد الشيطان في معصية الرحمن ، وتوجد جمعيات من الرجال ومن النساء يزينون للناس كل هذه الفضائح والقبائح باسم التجديد والتمدن ، ولهم جرائد تنشر دعاية الالحاد والزندقة ، والإباحة المطلقة ، إلا من بعض قيود قانون العقوبات في الظاهر دون الباطن . وإذا أنذرهم منذر ، وحذرهم من طاعة الشيطان محذر ، قالوا : وما الشيطان ؟ وما الدليل على وجود الشيطان ؟ فان قلت لهم ان أطباء الأرواح ، واساة أمراض الاجتماع ، قد حذرونا بأمر اللّه خالق ما يرى وما لا يرى من نزغ الشيطان ، وتزيينه للفسوق والعصيان ، كما يحذرنا أطباء الأجساد من « ميكروبات » الأمراض ، فهل من مقتضى العقل أن نرد كلام هؤلاء الأطباء بحجة أننا لم نر تلك الميكروبات المرضية ، وأن لا نقبل كلامهم ولا نستعمل أدويتهم إلا بعد رؤية ما رأوا ، واختبار ما اختبروا ؟ ألم يقم الدليل على صدق الرسل عليهم الصلاة والسّلام في التبليغ عن وحي اللّه عز وجل ؟ بلى وقد ثبت بالتجربة والاختبار ان من اتبعوهم صحت عقائدهم ، واستقامت أخلاقهم ، وصلحت أعمالهم ، وحفظت صحتهم وأعراضهم وأموالهم ، فتجربة معالجتهم لأمراض الأنفس والأرواح ، أثبت من تجربة معالجة الأطباء لأمراض الأجساد . وقد ثبت بالمشاهدة والاختبار أيضا ان هؤلاء الماديين المنكرين لوجود الشياطين هم أشد فسادا وإفسادا منهم : سكيرون مقامرون ، زناة لوطيون ، كذابون منافقون ، مرتشون سراقون ، ( وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ، وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ ) * * * وفي مثل هؤلاء يقول اللّه تعالى في هذا السياق وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ الغي الفساد . والمدّ والامداد الزيادة في الشيء من جنسه ، وقد قرأ نافع يمدونهم بضم الياء وكسر الميم من الامداد والجمهور بفتح الياء وضم