الشيخ محمد رشيد رضا
546
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( وما أبرىء نفسي ) مما دون كبائر الاثم والفواحش وهو اللمم ( إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ولا أعد من اللمم حضور المراقص النسائية وملاهيها ، فأحمد اللّه تعالى أن نفسي لم تطالبني بحضورها يوما ما ، ولم يجد شيطان الجن من نفسي ميلا إليها فيزينها لي بوسوسته ، ولكن دعاني إليها بعض شياطين الانس لأجل اختبارها والنهي عنها على معرفة فأبيت وقلت للداعي حسبك من شر سماعه ، على انني رأيت نموذجا من أهونها عرضا لا قصدا إليها ، وذلك في بعض ملاهي تمثيل القصص التاريخية أو الوصفية في ليلة خيرية ، ولم أكن أعلم باستحداث ذلك فيها ، وأحمد اللّه تعالى انني مقتها على غرابة الصنعة والزينة فيها ، وخرجت من المكان وآليت أن لا أعود اليه ، فقد صارت هذه الأماكن بؤر فساد ، وكان فيها شيء من الأدب والعبرة وقرين العوام على اللغة العربية الصحيحة التي تقرب من الفصيحة في الجملة ، ولم يكن يرى الناس فيها من منكرات الزي أكثر مما يرى في الأسواق والشوارع ، فأصبحت كالخمر إثمها أكبر من نفعها قد يقول من يظنون أن يوسف الصديق عليه السّلام هم بالفاحشة : انك قد فضلت نفسك عليه بزعمك أنك لم تهم وهو قدهم ، وأقول إنه وإن اختلفت الحال والداعية ، فإنه عليه السّلام لم يهم بالفاحشة ، وانما همت امرأة العزيز وهم هو بالانتقام ، وهو بطشها به بالقتل أو الضرب ، ودفاعه عن نفسه بالفعل ، وهذا هو المعتاد في مثل هذه الحال بمقتضى الطبع البشري وشواهده تقع دائما ، والعبارة تدل عليه دون الأول ، فإنه لا يقال همّ بالشخص في مقام الخلاف والمغاضبة إلا إذا أريد الهم بالضرب أو ما هو مثله أو فوقه من الايذاء ، ولا يقال إن المرأة همت بالرجل بالمعنى الآخر لأن الهم يتعلق بالعمل دون الشخص وهي في المباشرة مواتية لا عمل لها ، وما استبقا الباب إلا وهو فار من ثورة غضبها وهي مواثبة له تريد البطش به لاهانته إياها بمخالفتها وهو غلامها ، بعد أن ابتذلت نفسها ببذلها له . وما معنى قوله تعالى ( كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ ) إلا عصمته من البطش بها دفاعا عن نفسه وهو السوء ، وعصمته مما دعته اليه وهو الفحشاء ، ولولا الروايات الإسرائيلية في القصة لما خطر ببال المفسرين الراسخين في ذوق اللغة العربية غير