الشيخ محمد رشيد رضا
544
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ذكر فأبصر فخنس الشيطان وابتعد عنه وان أصاب منه غرة قبل تذكره تاب من قريب فمثل المؤمن المتقي في عدم تمكن الشيطان من اغوائه وان تمكن من مسه كمثل المرء الصحيح المزاج القوي الجسم النظيف الثوب والبدن والمكان لا تجد جنة الأمراض المفسدة للصحة استعدادا لافساد مزاجه واصابته بالأمراض فهي تظل بعيدة عنه فان مسه شيء منها بدخوله في معدته أو دمه فتكت بها نسم الصحة والعافية فحالت دون فتكها به - وهو ما يسمى في عرف الطب المناعة - وكذلك يكون قوي الروح بالايمان والتقوى غير مستعد لتأثير الشيطان في نفسه ، فهو يطوف بها يراقب غفلتها وعروض بعض الأهواء النفسية لها من شهوة أو غضب أو داعية حسد أو انتقام ، فمتى عرضت افترصها ، فلابس النفس وقواها فيها ، كما تلابس الحشرات القذرة أو جنة الأمراض الخفية ما يعرض من القذر للنظيف والضعف للقوي ، فإذا أهملها بالغفلة عنها فعلت فعلها ، وإذا تداركها نجا من ضررها ، ويحسن أن يعبر عن هذا بالحصانة ، فيقال مناعة جسدية وحصانة نفسية أو روحية . ذكرنا في الكلام على الشيطان من أوائل سورة البقرة أن الانسان يشعر بقدر علمه بتنازع دواعي الخير والشر والحق والباطل في نفسه ، وأن لداعية الحق والخير ملكا يقويها ، ولداعية الباطل والشر شيطانا يقويها ، وان النبي ( ص ) بين هذا بقوله « ان للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة ، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق ، وأما لمة الملك فايعاد بالخير وتصديق بالحق ، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من اللّه فليحمد اللّه على ذلك ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان » ثم قرأ ( الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ ) رواه الترمذي والنسائي في الكبير وابن حبان عن ابن مسعود وعلم عليه السيوطي في الجامع الصغير بالصحة ، ولكن الترمذي قال حسن غريب لا نعلمه مرفوعا الا من حديث أبي الأحوص . وذكرنا هنالك بعض كلام الامام الغزالي في هذا المقام وله فيه تفصيل حسن طويل في كتاب شرح عجائب القلب وغيره من الاحياء وللمحقق ابن القيم كتاب خاص في ذلك اسمه ( إغاثه اللهفان ، في مصايد الشيطان ) فمن قرأ أمثال هذه الكتب ، كان من وسوسة الشيطان على حذر