الشيخ محمد رشيد رضا
543
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وميت . وقد قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب هنا « إذا مسهم طيف » والباقون « إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ » والمعنى واحد ورسمه في المصحف الامام ( طيف ) كرسم ( ملك ) في سورة الفاتحة فتؤدّى قراءة وزن فاعل من الكلمتين بمد الحرف الأول . والمس في أصل اللغة كاللمس ومما يفترقان فيه ان المس يقال في كل ما ينال الانسان من شر وأذى بخلاف اللمس ، فقد ذكر في التنزيل مس الضر والضراء والبأساء والسوء والشر والعذاب والكبر والقرح واللغوب والشيطان وطائف الشيطان ، ولم يذكر فيه مس الخير والنفع إلا في قوله في سورة المعارج ( إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ ) فقد ذكر الخير هنا في مقابلة الشر ولكن المقام مقام منع الخير لا فعله . واستعمل المس والمسيس بمعنى الوقاع وهو مجاز مشهور كاستعماله في الجنون مجازا ومعنى الآية « إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا » وهم خيار المؤمنين الذين وصفوا في أول سورة البقرة « إِذا مَسَّهُمْ » أي ألمّ أو اتصل بهم طيف أو « طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ » ليحملهم وسوسته على المعصية ، أو ينزغ بينهم لا يقاع البغضاء والتفرقة ، « تذكروا » ان هذا من عدوهم الشيطان وإغوائه ، وما أمر اللّه تعالى به في هذه الحال من الاستعاذة به والالتجاء اليه في الحفظ منه ، وقال بعضهم تذكروا ما أمر اللّه تعالى به ونهى عنه ، وقال آخرون : تذكروا عقاب اللّه لمن أطاع الشيطان وعصى الرحمن ، وجزيل ثوابه لمن عصى الشيطان وأطاع الرحمن ، وقال بعضهم : تذكروا وعده ووعيده - ومآل الأقوال كلها واحد وهو يعمها - كما تفيده قاعدة حذف المفعول - « فاذاهم مبصرون » أي فاذاهم أولوا بصيرة وعلم يربأ بأنفسهم أن تطيع الشيطان ، فهو انما تأخذ وسوسته الغافلين عن أنفسهم لا يحاسبونها على خواطرها ، الغافلين عن ربهم لا يراقبونه في أهوائها واعمالها ، ولا شيء أقوى على طرد الشيطان من ذكر اللّه تعالى بالقلب ، ومراقبته في السر والجهر ، فذكر اللّه تعالى بأي نوع من أنواعه يقوى في النفس حب الحق ودواعي الخير ، ويضعف فيها الميل إلى الباطل والشر ، حتى لا يكون للشيطان مدخل إليها ، فهو إنما يزين لها الباطل والشر بقدر استعدادها لأيّ نوع منهما . فان وجد بالغفلة مدخلا إلى قلب المؤمن المتقي لا يلبث أن يشعر به لأنه غريب عن نفسه ، ومتى شعر