الشيخ محمد رشيد رضا
541
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أضعاف جرمه فبها رؤيت وعلم ما يحدث بسببها في المواد السائلة والرخوة وكل ذات رطوبة من التحول والتغير كالاختمار والفساد وغيرهما ومن الأمراض المعدية في الانسان والحيوان كما فصلناه من قبل وحكمة إخبار اللّه تعالى إيانا على ألسنة رسله عليهم السّلام بهذا العالم الغيبي المعادي لنا الضار بأرواحنا كضرر نسم الأمراض بأجسادنا أن نراقب أفكارنا وخواطرنا ولا نغفل عنها ، كما نراقب ما يحدث في أجسادنا من تغير في المزاج ، وخروج الصحة عن الاعتدال ، فنبادر إلى علاجه - فمتى فطنا بميل من أنفسنا إلى الشر أو الباطل عالجناه بما وصفه اللّه تعالى لنا من العلاج في هذه الآية وهو قوله عز وجل فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أي فالجأ إلى اللّه وتوجه اليه ليعيذك من شر هذا النزغ ، فلا يحملنك على ما يزعجك اليه من الشر ، الجأ إلى اللّه بقلبك ، وعبر عن ذلك بلسانك ، فقل أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم : انه تعالى سميع لما تقول عليم بما تتوجه اليه ، فهو يصرف عنك تأثير نزغه بتزيين الشر . ومن المجرب ان الالتجاء إلى اللّه تعالى وذكره بالقلب واللسان ، يصرف عن القلب وسوسة الشيطان ، ( 16 : 98 فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ 99 إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) الخ والخطاب في هذه الآية وأمثالها من آيات التشريع والتأديب موجه إلى كل مكلف يبلغه وأولهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومن المفسرين من يقول إنه هنا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمراد أمته . وقد تقدم الخلاف في ذلك في تفسير ( 6 : 68 وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ ) الآية فقد اختلف مفسروها في ترجيح توجيه الخطاب فيها . وذكرنا هنالك آية الأعراف هذه وان ظاهر السياق فيها ان الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وإن كان يأتي فيه الوجوه الأخرى في مثلها ، ولكن نزع الشيطان أقوى من انسائه ومن مسه المبين في الآية التالية فالمختار عندي الآن عصمته ( ص ) منه وذكرت في الكلام هنالك حديث عائشة وابن مسعود في صحيح مسلم « ما منكم أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن - قالوا : وإياك يا رسول ؟ قال - وإياي إلا أن اللّه أعانني عليه فأسلم » وهو سياق طويل يراجع هنالك