الشيخ محمد رشيد رضا
540
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
قوله تعالى وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ قال الراغب النزغ دخول في أمر لافساده . واستشهد له بقول يوسف عليه السّلام ( مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ) . وفي الأساس : نزغه مثل نسغه إذا طعنه ونخسه . ومن المجاز : نزغه الشيطان - كأنه ينخسه ليحثه على المعاصي . ونزغ بين الناس - أفسد بينهم بالحث على الشر اه فالنزغ كالنسغ والنخس والنخز والنغز والنكز والوكز والهمز ألفاظ متقاربة المعنى وأصله إصابة الجسد برأس شيء محدد كالإبرة والمهماز والرمح أو ما يشبه المحدد كالإصبع والمراد من نزغ الشيطان إثارته داعية الشر والفساد في النفس بداعية غضب أو شهوة حيوانية أو معنوية بحيث تتقحم بصاحبها إلى العمل بتأثيرها كما تنخس الدابة بالمهماز لتسرع وغلب استعماله في الشر فقط ، وانما قال ينزغنك نزغ والمراد نازغ لأن اسناد الفعل إلى المصدر أبلغ . والشيطان تقدم الكلام فيه وفي الجن مرارا أوسعها ما ورد في تفسير قوله تعالى ( 6 : 68 وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ ) الآية « 1 » وتفسير قوله تعالى ( 6 : 71 كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ ) الآية « 2 » وكلتاهما من سورة الأنعام وتفسير قصة آدم من هذه السورة والذي يناسب منها ماهنا وهو اغواء الناس بالوسوسة قوله تعالى حكاية عن الشيطان ( 8 : 15 قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي ) الخ « 3 » وقوله تعالى ( 8 : 26 يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ ) الخ « 4 » وملخص ما يجب اعتقاده انه ثبت في وحي اللّه تعالى إلى رسله أن في عالم الغيب خلقا خفيا اسمه الشيطان لا تدركه حواسنا له أثر في أنفسنا فهو يتصل بها ويقوي داعية الشر فيها بما سماه الوحي وسواسا ونزغا ومسا ، ونحن نجد أثر ذلك في أنفسنا وإن لم ندرك مصدره ، وقد شبهنا تأثير هذه الشياطين الخفية في الأرواح بتأثير النسم الخفية المادية المسماة بالبكتيريا وبالميكروبات في الأجساد ، فقد مرت القرون التي لا يحصيها إلا رب العالمين والناس يجهلون هذه النسم الخفية ويجهلون فعلها لعجز الابصار عن ادراكها بنفسها وعن رؤية فعلها لدقتها وتناهيها في اللطف والصغر إلى أن اخترعت في هذا العصر المرايا أو النظارات المكبرة التي ترى الجسم أضعاف
--> ( 1 ) راجع ص 507 - 516 ج 7 تفسير ( 2 ) ص 524 - 569 منه ( 3 ) راجع ص 337 - 344 ج 8 تفسير ( 4 ) ص 361 - 372 - منه