الشيخ محمد رشيد رضا
539
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
جانب الصفح بالصبر الذي يتأتي للعبد به كل مراد في نفسه وغيره . ولو شرحنا ذلك على التفصيل لكان أسفارا . اه . ومن مباحث البلاغة في الآية أن ما جمعته هذه الكلمات الثلاث من المعاني العالية هو من اعجاز إيجاز القرآن ، الذي لا مطمع في مثله لانس ولا جان . واللّه أعلم * * * ( 200 ) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 201 ) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ( 202 ) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ ) * * * بين اللّه تعالى في الآية التي قبل هذه الآيات أفضل ما يعامل البشر به بعضهم بعضا من الوصايا الثلاث التي لا يمكن شرح التعامل بها تفصيلا إلا بسفر كبير ، ولو عمل الناس بهذه الوصايا لصلحت أحوالهم ولم يجد الفساد إليهم سبيلا - ثم قفى عليها بهذه الثلاث الآيات في الوصية باتقاء إفساد الشيطان أي جنسه لجنس البشر ، والمراد هنا شياطين الجن المستترة ، فالتناسب القريب بينهن وبين ما قبلهن المقابلة بين معاملة البشر ومعاملة الجنّ ، ومن فروعه التناسب بين الجاهلين أي السفهاء الذين أمرت الآية السابقة بالاعراض عنهم اتقاء لشرهم ، وبين الشياطين التي أمرت هذه الآيات بالاستعاذة باللّه منهم اتقاء لشرهم ، وبعبارة أخرى : اتقاء شر شياطين الانس وشياطين الجن ، فان الشيطان هو الشرير المفسد من الفريقين كما تقدم في سورة الأنعام ، ومن فسر آيات ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ) الخ بما مر من أن شرك الأبوين فيما آتاهما اللّه من الولد الصالح كان باغواء الشيطان يرجعون إليه في التناسب بين الآيات ، يقولون إن الآية بينت لنا أن وسوسة الشيطان لأبوينا كانت سبب ما وقع لهما من الشرك فيما آتاهما من الولد - والأولى ارجاع التناسب في هذه المسألة إلى ما بين في أوائل السورة من خلق آدم وحواء ووسوسة الشيطان لهما - وما بين في خواتيمها من الارشاد إلى اتقاء نزغ الشيطان ومسه - وهو ما أشرنا اليه في بدء سياق هذه الخاتمة