الشيخ محمد رشيد رضا

538

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

من القذع والبذاء في الهجو شيئا مما نعهد في الصحف التي يعبرون عنها بالساقطة ، وكم من صحيفة قائمة ناهصة بالثروة ، شر من ساقطة بالقلة . وانما يجب الاعراض عن السفهاء لأنهم لا يطلبون الحق إذا فقدوه ، ولا يأخذون فيما يخالف أهواءهم إذا وجدوه ، ولا يرعون عهدا ، ولا يحفظون ودا ، ولا يشكرون من النعمة إلا ما اتصل مدده ، فإذا انقطع عاد الشكر كفرا ، واستحال المدح ذما أكثر ما كتب المفسرون في هذه الآية ما دلت عليه من الآداب ، وأقله ما اشتملت عليه من أصول الاحكام ، وروي عن جدنا الإمام جعفر الصادق رضي اللّه عنه أنه قال : ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الاخلاق منها ، ووجهوه بأن الاخلاق ثلاثة بحسب القوى الانسانية ، عقلية وشهوية وغضبية ، فالعقلية الحكمة ومنها الامر بالمعروف ، والشهوية العفة ومنها أخذ العفو ، والغضبية الشجاعة ومنها الاعراض عن الجاهلين . وروى الطبري مرسلا وابن مردويه موصولا من حديث جابر وغيره لما نزلت ( خذ العفو واءمر بالعرف ) سأل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم جبريل عنها فقال « لا أعلم حتى أسأل ثم رجع فقال إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتعفو عمن ظملك » اه من فتح الباري ومراد الامام أعلى وأشمل من ذلك وفهمه أبعد وأوسع من فهم من علله أو فسره كما علمت من تفسيرها في الجملة وذكر ابن كثير أن بعض الحكماء أخذ هذا المعنى فسبكه في بيتين فيهما جناس فقال : خذ العفو واءمر بعرف كما * أمرت وأعرض عن الجاهلين ولن في الكلام لكل الأنام * فمستحسن من ذوي الجاه لين وقال القاضي أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن : قال علماؤنا هذه الآية من ثلاث كلمات ، قد تضمنت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات ، حتى لم يبق فيها حسنة إلا أوعتها ، ولا فضيلة إلا شرحتها ، ولا أكرومة إلا افتتحتها ، وأخذت الكلمات الثلاث أقسام الاسلام الثلاثة : فقوله ( خُذِ الْعَفْوَ ) تولى بالبيان جانب اللين ، ونفي الحرج في الاخذ والاعطاء والتكليف ، وقوله ( واءمر بالعرف ) تناول جميع المأمورات والمنهيات ، وأنهما ما عرف حكمه ، واستقر في الشريعة موضعه ، واتفقت القلوب على علمه ، وقوله ( وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ) تناول