الشيخ محمد رشيد رضا
537
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ذكرنا وما لم نذكر من أقوال السلف والخلف ولا يمكن أن يراد من كل آية ولا من مجموع الآيات المتقدمة وما يحتمله منها كآيات الامر والنهي المدنية لا بد أن يكون اللفظ فيها عاما يشمل المعروف في الشرع وفي العادات والمعاملات ولا يظهر هذا في آية الأعراف التي هي الأصل الأول لأنها الأولى في الموضوع ، ولم يكن قد نزل قبلها أحكام يفسر بها العرف وبحال عليها فيه - فما قاله صاحب لباب التأويل هو من قشره لا من لبابه ، وأول ما يرد عليه انه إذا كان المراد من العرف المعروف بالوحي يقال فيه انه لم يكن قبل الامر به معروفا وبعد الامر به صار من قبيل تحصيل الحاصل نعم ان ما يتقرر بنص الشرع يصير من جملة المعروف الذي هو ضد المجهول كما أنه يكون بالضرورة من المعروف الذي هو ضد المنكر . ويبقى تحكيم العرف والمعروف بالمعنى اللغوي العام معتبرا فيما لا نص فيه بخصوصه وللأمة فيه عرف غير معارض بنص ، ولا يستقيم نظام الأمة على أساس ثابت إذا كان أمر العرف والمعروف فيها فوضى وغير مقيد بأصول وأحكام وفضائل ثابتة ، فلا بد من شيء ثابت وهو ما لا تختلف فيه المصالح والمنافع باختلاف الزمان والمكان وأحوال المعيشة ، ولا بد من شيء يحكم فيه العرف وهو ما يقابله ، ولذلك جاء الشرع الحكيم بهما معا ، ولا يضر مع هذا اختلاف الناس فيما يعرفون وينكرون فليكن المعروف كما قال الجصاص من أئمة الحنفية : ما يستحسن في العقل فعله ولا تنكره العقول الصحيحة . فيكفي المسلمين المحافظة على النصوص الثابتة إذ لا يمكن أن يستنكر المؤمن ما جاء عن اللّه ورسوله نصا حتما لا اجتهاد فيه ، وليكن للجماعة بعده رأي فيما يعرفون وينكرون ، ويستحسنون ويستهجنون ، يكون عمدتهم فيه جمهور العقلاء والعلماء وأهل الأدب والفضيلة في كل عصر ( الأمر الثالث ) الاعراض عن الجاهلين وهم السفهاء بترك معاشرتهم وعدم مماراتهم ، ولا علاج أوقى لاذاهم من الاعراض عنهم ، وشرهم في هذا العصر مرتزقة صحف الاخبار المنشرة ، فان سفهاءها هم شر من سفهاء الشعراء في العصور السابقة ، وقد قل سفه الشعراء في عصرنا هذا فلا أعرف لشاعر مشهور