الشيخ محمد رشيد رضا
534
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والمختار عندنا أن العفو يشمل هذا وذاك فالمراد به أن من أصول آداب هذا الدين وقواعد شرعه اليسر وتجب الحرج وما يشق على الناس وقد تقدم تفصيل القول في ذلك في تفسير آية الوضوء من سورة المائدة « 1 » وقد خالف هذه القاعدة الأساسية أهل ألفته المقلوب فجعلوا العسر والحرج من أهم قواعد الدين وأصول الشرع فعلا لا تسمية وقد صح في الأحاديث ان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ، وترى هؤلاء لا يخير أحدهم بين أمرين إلا اختار أعسرهما ، ولا سيما العسر على الأمة بأسرها ، وأما فتاوى الافراد فقد قال بعض المصنفين منهم في المسألة فيها قولان مصححان : نحن مع الدراهم قلة وكثرة ! ! يعني في الفتوى بأحدهما ( الأصل الثاني ) الامر بالعرف وهو ما تعارفه الناس من الخير وفسروه بالمعروف وفي اللسان المعروف ضد المنكر والعرف ضد النكر ( قال ) والعرف والعارفة والمعروف وأحد ضد المنكر وهو كل ما تعرفه النفس من الخير وتنسأ به « 2 » وتطمئن اليه ( قال ) وقد تكرر ذكر المعروف في الحديث وهو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة اللّه والتقرب اليه والاحسان إلى الناس وكل ما ندب اليه ونهي عنه من المحسنات والمقبحات وهو من الصفات الغالبة أي أمر معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه ، والمعروف النصفة وحسن الصحبة مع الأهل وغيرهم ، والمنكر ضد ذلك جميعه اه والقول الجامع ان العرب تطلق المعروف على ضد المنكر وعلى ضد المجهول ، والمنكر هو المستقبح عند الناس الذي ينفرون منه لقبحه أو ضرره ويذمونه ويذمون أهله . والامر به في هذه السورة المكية التي نزلت في أصول الدين وكليات التشريع تثبت لنا ان العرف أو المعروف أحد هذه الأركان للآداب الدينية والتشريع الاسلامي وهو مبني على اعتبار عادات الأمة الحسنة وما تتواطأ عليه من الأمور النافعة في مصالحها حتى أن كتاب اللّه عز وجل قد قيد طاعة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بالمعروف في عقد مبايعته صلّى اللّه عليه وسلّم للنساء قال عز وجل في سورة الممتحنة ( 60 : 12 يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ
--> ( 1 ) راجع ص 269 ج 6 تفسير ( 2 ) بسأ به وبسيء : أنس وارتاح