الشيخ محمد رشيد رضا
532
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أهل العبث والهزل . ولقد كان بعض ذوي الفطرة السليمة ينظر إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيعرف من شمائله وسيماه في وجهه ، أنه حر صادق ، غير مخادع ولا مماذق ، فيقول واللّه ما هذا الوجه وجه كاذب وما زال من المعهود بين الناس ان أصحاب البصيرة والفضيلة من الناس يعرف بعضهم بعضا بذلك من أول العهد بالتلاقي بما يتوسمون من ملامح الوجه ومعارفه ثم من موضوع الحديث وتأثيره في نفس المتكلم والسامع ثم يكمل ذلك بالمعاشرة . كما يعرفون حال الأشرار والمنافقين بذلك ( وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ) بهذه البصيرة النيرة عرفت السيدة خديجة فضلى عقائل قريش فضائل محمد بن عبد اللّه قبل بعثته ، فاستمالته وخطبته لنفسها على غناها وفقره ، بعد ان رفضت أنا سامر كبراء قريش خطبوها بعد موت زوجها الأول ، ثم كانت أول من جزم برسالته عندما حدثها بأول ما رآه من بدء الوحي وخاف على نفسه منه ، وقد كان أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه أول رجل دعاه الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه إلى الاسلام بحسن فراسته فيه فلم يتوقف ولم يتمكث ولم يتريث أن أجاب الدعوة منشرح الصدر قرير العين ، لأنه كان أجدر الناس بمعرفة حقيقتها وحقيقة من دعا إليها . وأمثلة هذا كثيرة في كل زمان وكان أظهرها في قرننا هذا تعلق الشيخ محمد عبده بالسيد جمال الدين الأفغاني من أول ليلة رآه فيها ولزامه إلى أن فارق هذه الديار ، فلم يعرفه حق المعرفة غيره على كثرة المكبرين له والمعجبين به ، وقد كان الكثيرون من أهل الأزهر يفرون منه ويصدون عنه ، فأين هم وأين آثارهم في العلم أو الدين ؟ فبأمثال هذه العبر الواقعة تفهم معنى قوله تعالى ( وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ) على الوجه الأخير في تفسيرها ، لا بمجرد تسمية هذا التعبير استعارة شبه فيها كذا بكذا . ثم اقرأ في معناه قوله تعالى ( 10 : 42 وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ ) * * * ( 199 ) خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ هذه الآية بيان لأصول الفضائل الأدبية وأساس التشريع ، وهي التي تلي في