الشيخ محمد رشيد رضا
531
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ينتقموا منه لها . وروي عن معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن جبل ( رض ) وكانا شابين من الأنصار قد أسلما لما قدم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة انهما كانا يعدوان في الليل على أصنام المشركين يكسرانها ويتخذانها حطبا للأرامل ليعتبر قومهما بذلك ، وكان لعمرو بن الجموح - وكان سيد قومه - صم يعبده فكانا يجيئان في الليل فينكسانه على رأسه ويلطخانه بالعذرة فيجيء فيرى ما صنع به فيغسله ويطيبه ويضع عنده سيفا ويقول له انتصر حتى أخذاه مرة فقرناه مع كلب ميت ودلياه يحبل في بئر فلما رآه كذلك علم بطلان عبادته وأسلم وفيه يقول تاللّه لو كنت إلها مستدن * لم تك والكلب جميعا في قرن وبعد أن نفى قدرتهم على النصر ، قفى عليه بنفي قدرتهم على الارشاد اليه فقال * * * وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا أي وان تدعوهم إلى أن يهدوكم إلى ما تنتصرون به من أسباب خفية أو جلية لا يسمعوا دعاءكم مطلقا ، فكيف يستجيبون لكم ؟ على أنهم لو سمعوا لما استجابوا لعجزهم عن الفعل ، كفقدهم للسمع ، وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ أي وهم فاقدون لحاسة البصر كفقدهم لحاسة السمع ، وتراهم أيها المخاطب ينظرون إليك بما وضع لهم من الأعين الصناعية ، والحدق الزجاجية أو الجوهرية ، وجعلها موجهة إلى الداخل عليها كأنها تنظر اليه ، وهم لا يبصرون بها لان الإبصار لا يحصل بالصناعة ، بل هو من خواص الحياة التي استأثر اللّه سبحانه بها ، وإذا كانوا لا يسمعون دعاء ولا نداء من عابدهم ولا من غيره ، ولا يبصرون حاله وحال خصمه ، فأنى يرجى منهم نصره وشد أزره ؟ وفي الآية وجه آخر ذهب اليه بعضهم وهو أن الخطاب فيها للمؤمنين والرسول في مقدمتهم بناء على أن الكلام في الأصنام قد يتم فيما قبلها وعاد الكلام في عابديها ، أي وان تدعوا أيها المؤمنون هؤلاء الأغبياء من المشركين ، الذين لم يعقلوا هذه الحجج والبراهين ، إلى هدى اللّه وهو التوحيد والاسلام لا يسمعوا دعوتكم سماع فهم واعتبار ، وتراهم أيها الرسول ينظرون إليك وهم لا يبصرون ما أوتيت من سمت الجلال والوقار ، الذي يميز به صاحب البصيرة بين أولي الجد والعزم ، والصدق في القول والفعل ، وبين