الشيخ محمد رشيد رضا

528

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لا ينافي توحيد اللّه تعالى أن يدعى غيره معه أو يدعى من دونه بقصد التوسل اليه والاستشفاع لديه ، إذا كان لا يصلي ولا يصوم له . وقال بعضهم : ان الدعاء هنا بمعنى التسمية فيكون الانكار فيه خاصا بتسميتهم لأصنامهم وغيرهم من معبوداتهم آلهة . وكل من هذا وذاك ضرب من ضروب الاحتمالات اللفظية التي يتعلق بها من أشرك باللّه جاهلا بمعنى الشرك ممن يدعون الموتى من الصالحين لدفع الضر عنهم أو جلب الخير لهم ، من غير طريق الأسباب التي هي من تناول كسبهم وسعيهم ، ولكنهم لا يسمونهم آلهة . وهذا هو الشرك الأكبر الذي نعي على المشركين من قبلهم لا مجرد التسمية التي لا تكون بدونه صحيحة والحق الذي لا معدل عنه أن الدعاء هنا هو النداء لدفع الضر أو جلب النفع الموجه إلى من يعتقد الداعي أن له سلطانا يمكنه به أن يجيبه إلى ما طلبه بذاته أو بحمله للرب الخالق على ذلك بحيث يجيب دعاء الداعي لأجله يقول تعالى ان الذين تدعونهم من دون اللّه هم عباد للّه أمثالكم في كونهم مخلوقين للّه تعالى خاضعين لسننه في خلقه ، وإذا كانوا أمثالكم امتنع عقلا أن تطلبوا منهم ما لا تستطيعون نيله بأنفسكم ولا بمساعدة أمثالكم لكم فيما يتوقف على التعاون في اتخاذ الأسباب له . وانما يدعى لما وراء الأسباب المشتركة بين الخلق الربّ الخالق المسخر للأسباب الذي تخضع لإرادته الأسباب وهو لا يخضع لها ، ولا لإرادة أحد يحمله على ما لا يشاؤه منها وهذه المماثلة انما تظهر فيمن يدعى من دون اللّه تعالى من الملائكة أو الأنبياء أو الصلحاء ، دون ما اتخذ لهم تذكيرا بهم من التماثيل أو القبور أو الأصنام ، وقد صار بعض هذه المذكرات يقصد لذاته ، جهلا بما كانت اتخذت لأجله ، وفي هذه الحالة تدخل في المماثلة بطريقة تنزيلها منزلة ما وضعت لأجله ، كأنه يقول إن قصارى أمرها أن تكون من الاحياء العقلاء أمثالكم ، فكيف ترفعونها عن هذه المثلية ، إلى مقام الربوبية ؟ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي إن كنتم صادقين في زعمكم أنهم يقدرون على ما لا تقدرون عليه بقواكم البشرية من نفع أو ضر