الشيخ محمد رشيد رضا
521
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وأما الاشكال الذي أشرنا اليه فهو ما روي عن بعض الصحابة والتابعين وفي حديث مرفوع أيضا من أن الآية في آدم وحواء فقد أخرج أحمد والترمذي وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وغيرهم من حديث سمرة بن جندب مرفوعا قال « لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال سميه عبد الحارث فإنه يعيش ، فسمته عبد الحارث فعاش فكان ذلك من وحي الشيطان » وهو على كثرة مخرجيه غريب وضعيف كما سيأتي ، وقد جاءت الآثار في هذا المعنى مفصلة ومطولة وفيها زيادات خرافية ، تشهد عليها بأنها من الدسائس الإسرائيلية ، وهذه الآثار يعدها بعض العلماء من قبيل الأحاديث المرفوعة لأنها لا تقال بالرأي ، والذي نعتقده وجرينا عليه في التفسير أن كل ما هو منها مظنة للإسرائيليات المتلقاة عن مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه فهي لا يوثق بها ، فان كانت مع ذلك مشتملة على ما ينكره الدين أو العلم الصحيح قطعنا ببطلانها وكونها دسيسة إسرائيلية ، ومنها ما نحن فيه لأن فيه طعنا صريحا في آدم وحواء عليهما السّلام ورميا لهما بالشرك ، ولذلك رفضها بعض المفسرين وتكلف آخرون في تأويلها بما تنكره اللغة . وقد اعتمد بعض المتأخرين كصاحب فتح البيان وصاحب روح المعاني الاخذ بحديث سمرة دون آثار الصحابة والتابعين التي فيها ما ليس فيه من رمي آدم بالشرك الصريح ، وظنا أنه حجة ووصفاه تبعا للترمذي والحاكم بالحسن وبالصحيح ، وما هو يحسن ولا صحيح ، على أنه لم يرد تفسيرا للآية كتلك الآثار . وذهب بعض المفسرين إلى أن الخطاب في الآية لقريش وأن المراد فيها بالنفس الواحدة قصي جدهم ، وأن المراد بجعل زوجها منها أنها قرشية أو عربية لما روي أنها من خزاعة لا من قريش ، وأن المراد بشركهما تسمية أبنائهما الأربعة عبد مناف وعبد شمس وعبد العزى وعبد الدار - يعني دار الندوة - وفيه نظر من وجوه ذكرها بعض المفسرين لا نضيع الوقت بذكرها . وانما الذي يصح أن يذكر ويبين بطلانه فهو الروايات التي انخدع بها ولا يزال ينخدع بها الكثيرون ، وعمدتنا في تمحيصها وبيان عللها الحافظ ابن كثير فقد قال في تفسيره ما نصه : « ذكر المفسرون ههنا آثارا وأحاديث سأوردها وأبين ما فيها ثم نتبع ذلك