الشيخ محمد رشيد رضا
520
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
طاعته والتزام ما شرعه من أحكام الحلال والحرام ، وهو كسابقه نقص في التوحيد لا نقض له ، وغفلة عنه لا جحد به ومثال الشرك الجلي إسناده هذه النعم إلى غيره تعالى ممن يدعونهم من دونه أو معه من الأولياء والقديسين ، أو الأنبياء والمرسلين ، أو ما يذكر بهم أو يمثلهم من القبور أو الأصنام والتماثيل ، يقولون : لولا سيدي فلان ولولا مولانا علان لما كان كذا مما نحب ، أو لكان كذا وكذا مما نكره ، يعتقدون ان لهم فيما كان من نفع ومنع ضرر تأثيرا غيبيا يستقلون به هو فوق تأثير الأسباب المذكورة عن القسم الأول كما تقدم شرحه مرارا أقربها ما في تفسير الآية السابقة فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أي وارتفع مجده ، وتعالى جده ، تنزها عن شرك هؤلاء الأغبياء أو عن شركائهم أن يكون لهم تصرف في خلقه ، أو تأثير في صفاته وأفعاله كنت قرأت منذ سنين جل ما قال المفسرون في تفسير هذه الآيات من كتبهم التي بين أيدينا من مأثور وغيره ، وما أوردوه فيها من الاشكال ، وما لهم في الجواب عنه والتفصي منه من أقوال ، ولما أردت كتابة تفسيرها الآن لم أجد مما في ذهني منه شيئا مرضيا يطمئن به قلبي ، فتوجهت إلى اللّه تعالى وفكرت في معناها الذي يعطيه الأسلوب العربي وينطبق على سنة اللّه في البشر ، وفي بيان كتابه لحقائق أحوالهم ، فكرت في ذلك قبل النوم وأنا في فراشي ، ثم كتبت ما تقدم في آخر النهار ، ثم بحثت فيما عندي من كتب التفسير لأكتب خلاصة ما قيل فيها ، وانظر فيما عساه يؤيده ، وأجيب عما ربما يفنده ، فإذا أنا بصاحب الانتصاف يقول بعد ذكر ما نقلناه آنفا من كلمة الزمخشري في ضميري الجمع ما نصه : وأسلم من هذين التفسيرين أن يكون المراد جنسي الذكر والأنثى لا يقصد فيه إلى معين ، وكان المعنى واللّه أعلم : خلقكم جنسا واحدا وجعل أزواجكم منكم أيضا لتسكنوا إليهن ، فلما تغشى الجنس الذي هو الذكر الجنس الآخر الذي هو الأنثى جرى من هذين الجنسين كيت وكيت . وانما نسب هذه المقالة إلى الجنس وإن كان فيهم الموحدون لأن المشركين منهم كقوله تعالى ( وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ * إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ) إه