الشيخ محمد رشيد رضا

518

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

في المسألة ، وتذكر ان اللّه تعالى خاطب الناس في عصر التنزيل بمثل ما حكاه لهم في هذه الآية عن نشأة جنسهم في كونه تعالى خلق لهم أزواجا من أنفسهم فقال في بيان آياته من سورة الروم ( وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ) فهذا المعنى عام لا خاص بالانسان الأول عبر التنزيل عن ميل الزوج الجنسي إلى زوجه هنا وفي سورة الروم بالسكون وذلك ان المرء إذا بلغ سن الحياة الزوجية يجد في نفسه اضطرابا خاصا لا يسكن إلا إذا اقترن بزوج من جنسه واتحدا ذلك الاقتران والاتحاد الذي لا تكمل حياتهما الجنسية المنتجة إلا به ، ولذلك قال بعده فَلَمَّا تَغَشَّاها الخ الغشاء غطاء الشيء الذي يستره من فوقه ، والغاشية الظلة تظله من سحابة وغيرها ( وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى ) أي يحجب الأشياء ويسترها بظلامه ، وتغشاها اتاها كغشيها ويزيد ما تعطيه صيغة التفعل من جهد ، وهو كناية نزيهة عن أداء وظيفة الزوجية تشير إلى أن مقتضى الفطرة وأدب الشريعة فيها الستر ، ولفظ النفس مؤنث فأنث في أول الآية ، ولفظ الزوج يطلق على الذكر والأنثى ولهذا ذكّر هنا فاعل التغشي وأنث مفعوله . أي فلما تغشى الزوج الذي هو الذكر الزوج التي هي الأنثى حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً أي علقت منه وهو الحبل ، والحمل بالفتح يطلق على المصدر وعلى المحمول والمشهور انه خاص بما كان في بطن أو على شجرة وان ما حمل على ظهر ونحوه يسمى حملا بكسر الحاء . والحمل هاهنا يحتمل المعنيين وهو يكون في أول العهد خفيفا لا تكاد المرأة تشعر به ، وقد تستدل عليه بارتفاع حيضتها فَمَرَّتْ بِهِ أي فمضت به إلى وقت ميلاده من غير إخداج ولا إزلاق كما قاله الزمخشري أو استمرت في اعمالها وقضاء حاجتها من غير مشقة ولا استثقال فَلَمَّا أَثْقَلَتْ اي حان وقت ثقل حملها وقرب وضعها دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما : لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ اي توجها إلى اللّه تعالى ربهما يدعو انه فيما انحصر همهما فيه بعد تمام الحمل على سلامة بأن يعطيهما ولدا صالحا اي سويا تام الخلق يصلح للقيام بالاعمال البشرية النافعة - ولا ينبغي أن يدعو العبد غير