الشيخ محمد رشيد رضا

517

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ أي خلقكم من جنس واحد أو حقيقة واحدة صورها بشرا سويا ، وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها سكونا زوجيا ، أي جعل لها زوجا من جنسها فكانا زوجين ذكرا وأنثى كما قال تعالى ( يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى ) كما أنه خلق من كل جنس وكل نوع من الاحياء زوجين اثنين قال عز وجل ( وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) واننا نشاهد ان كل خلية من الخلايا التي ينمي بها الجسم الحي تنطوي على نويّتين ذكر وأنثى يقترنان فيولد بينهما خلية أخرى ، وهلم جرا ، ونعلم أيضا كيف يتكون في الارحام كل من الزوجين كما قال تعالى ( وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى ) ولكننا لا ندري كيف ازدوجت النفس الأولى بعد وحدتها فكانت ذكرا وأنثى ، قال تعالى ( ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ) وفي التوراة التي عند أهل الكتاب ان حواء خلقت من ضلع من أضلاع آدم وقد أمرنا نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم أن لا نصدق أهل الكتاب ولا نكذبهم أي فيما لا نص فيه عندنا لاحتماله ، فنحن نعمل بأمره صلّى اللّه عليه وسلّم في هذا الخبر وان حمل عليه بعض المفسرين وغيرهم حديث « استوصوا بالنساء فان المرأة خلقت من ضلع وان أعوج شيء في الضلع أعلاه فان ذهبت تقيمه كسرته ، وان تركته لم يزل أعوج ، فاستوصوا بالنساء » رواه الشيخان من حديث أبي هريرة مرفوعا ، فان المتبادر منه الذي اعتمده الشراح في تفسيره ان المراد بخلقها منه أنها ذات اعوجاج وشذوذ تخالف به الرجل كما يشير اليه ما رواه ابن حبان عن أبي هريرة « ان المرأة خلقت من ضلع أعوج » فهو على حد قوله تعالى ( خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ ) وقال الحافظ في شرحه من الفتح : قيل فيه إشارة إلى أن حواء خلقت من ضلع آدم الأيسر وقيل من ضلعه القصير أخرجه ابن إسحاق وزاد : اليسرى من قبل أن يدخل الجنة وجعل مكانه لحم ، ومعنى خلقت أي أخرجت كما تخرج النخلة من النواة اه فتأمل لجعل الحافظ المسألة من باب الإشارة وحكايته لها بصيغة التضعيف ، وما ذكره من تفسيرها الغريب بتشبيه خلق الانسان بخلق النبات ، وظاهره انه لم يطلع على سعة حفظه على قول لمن يعتد بأقوالهم من علماء السلف ومحققي الخلف