الشيخ محمد رشيد رضا
513
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ ) وهاك ما ورد في التفسير المأثور في الآية نقلا عن تفسير الحافظ ابن كثير قال : « أمره اللّه تعالى أن يفوض الأمور اليه وأن يخبر عن نفسه أنه لا يعلم الغيب المستقبل ولا اطلاع له على شيء من ذلك إلا ما أطلعه اللّه عليه كما قال تعالى ( عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً ) الآية ، وقوله ( وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ ) قال عبد الرزاق عن الثوري عن منصور عن مجاهد ( وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ ) قال لو كنت أعلم متى أموت لعملت عملا صالحا ، وكذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد وقال مثله ابن جريج ، وفيه نظر لأن عمل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان ديمة ، وفي رواية كان إذا عمل عملا أثبته فجميع عمله كان على منوال واحد ، كأنه ينظر إلى اللّه عز وجل في جميع أحواله ، اللهم إلا أن يكون المراد أن يرشد غيره إلى الاستعداد لذلك واللّه أعلم « والأحسن في هذا ما رواه الضحاك عن ابن عباس ( وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ ) أي من المال ، وفي رواية لعلمت إذا اشتريت شيئا ما أريح فيه فلا أبيع شيئا إلا ربحت فيه ولا يصيبني الفقر . وقال ابن جرير وقال آخرون : معنى ذلك لو كنت أعلم الغيب لأعددت للسنة المجدبة من المخصبة ، ولوقت الغلاء من الرخص . وقال عبد اللّه بن زيد بن أسلم ( وما مسني السوء ) قال لاجتنبت ما يكون من الشر قبل أن يكون واتقيته . » إه وما قلناه أعم وأصح هذا وإننا قد بينا في تفسير ( 6 : 5 قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ ) أن الغيب قسمان حقيقي لا يعلمه إلا اللّه تعالى وإضافي يعلمه بعض الخلق دون بعض ، وأن هذه الآية تنفي قدرة الرسول على التصرف في خلق اللّه تعالى بما هو فوق كسب البشر ، وتنفي عنه علم الغيب بهذا المعنى ، إلا ما أعلمه اللّه تعالى به بوحيه لتعلقه بوظيفة الرسالة كالملائكة والحساب والثواب والعقاب - وأن ما يطلع اللّه عليه الرسل من ذلك لا يكون من علمهم الكسبي ، بل يدخل في معني الاجماع على أن النبوة غير مكتسبة .