الشيخ محمد رشيد رضا
511
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
اللَّهُ ) الآية ، وقال في سورة الجن ( 72 : 20 قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً ) وهذه الآية أبلغ وأشمل مما في معناها بما فيها من إيجاز واحتباك بحذف ما يقابل الضر والرشد المذكورين وهما ضدهما بدلالتهما عليهما والتقدير : لا أملك لكم ضرا ولا نفعا ، ولا رشدا ولا غواية - فهذه الآيات بمعنى ما هنا تؤيد اختيارنا ثم أمره تعالى أن ينفي عن نفسه علم الغيب مستدلا عليه بانتفاء اظهر منافعه القريبة فقال وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ الخير ما يرغب الناس فيه من المنافع المادية والمعنوية كالمال والعلم ، والسوء ما يرغبون عنه مما بسوءهم ويضرهم ، ويراد بهما هنا الجنس الذي يصدق ببعض أفراده وهو الخير الذي يمكن تداركه وتحصيله ، والسوء الذي يمكن الاستعداد لدفعه بعلم ما يأتي به الغد . والجملة استدلال على نفي علم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الغيب كأنه يقول لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا ولا أعلم الغيب ، ولو كنت أعلم الغيب - وأقربه ما يقع في مستقبل أيامي في الدنيا - لاستكثرت من الخير كالمال وأعمال البر التي تتوقف على معرفة ما يكون في المستقبل من عسرة وغلاء مثلا وتغير الأحوال ، ولما مسني السوء الذي يمكن الاحتياط لدفعه بعلم الغيب كشدة الحاجة مثلا ، ومن أمثلته في العبادة قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في حجة الوداع « لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ولولا ان معي الهدي لأحللت » رواه الشيخان وغيرهما - يعني لو أنه علم صلّى اللّه عليه وسلّم ما يحصل من انفراده دون أصحابه بسوقه الهدي إلى الحرم من مشقة فسخهم الحج إلى عمرة دونه إذ لا يباح الفسخ والتحلل بالعمرة لمن معه الهدي لما ساق الهدي ليوافق الجمهور في تمتعهم بالعمرة إلى الحج . ومن أمثلته في الإدارة وسياسة الحرب ما عاتبه اللّه تعالى عليه من الاعراض عن الأعمى والتصدي للأغنياء ومن أخذ الفداء من أسرى بدر ، ومن الاذن بتخلف المنافقين في غزوة تبوك سنة العسرة ، ولم أر أحدا نبه على هذا النوع من المفسرين . وفيه وجه آخر انه مستأنف غير معطوف على ما قبله ، ومعناه وما مسني الجنون كما زعم الجاهلون ، فيكون حاصل معنى الآية نفي رفعه إلى رتبة الربوبية الذي افتتن بمثله الغلاة ، ونفي وضعه في أدنى مرتبة البشرية الذي زعمته الغواة العتاة .