الشيخ محمد رشيد رضا
509
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
مشيئته سبحانه أن يمكنني من ذلك . فالمعنى المراد على هذا هو بيان عجز المخلوق الذاتي وكون كل شيء أوتيه فهو بمشيئة اللّه تعالى لا يستقل العبد بشيء منه استقلالا مطلقا ولا هو يملكه بذاته لذاته ، بل بمشيئة اللّه تعالى ، فالاستثناء على هذا متصل بما قبله مخصص لعمومه مقيد لاطلاقه ( الثاني ) أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لا يملك بمقتضى منصب الرسالة نفعا ولا ضرا لنفسه بمنطوق الجملة ولا لغيره بمفهومها الأولى مما يعجز عنه غيره بمقتضى بشريته وما أقدره اللّه تعالى عليه بمقتضى سنته في عالم الأسباب والمسببات ، كما أنه لا يملك شيئا من علم الغيب الذي هو شأن الخالق دون المخلوق كما يأتي بيانه في تفسير الجملة التالية . والاستثناء على هذا منفصل عما قبله مؤكد لعمومه ، أي لكن ما شاء اللّه تعالى من ذلك كان ، فهو كقوله تعالى ( سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى * إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ ) وقوله حكاية عن خليله إبراهيم عليه السّلام ( وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً ) وقوله في خطاب كليمه موسى عليه السّلام ( إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ * إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ ) الآية . وهذا الوجه هو المختار عندنا لأن الناس قد فتنوا منذ قوم نوح بمن اصطفاهم اللّه ووفقهم لطاعته وولايته من الأنبياء ومن دون الأنبياء من الصالحين فجعلوهم شركاء للّه تعالى فيما يرجوه عباده من نفع يسوقه إليهم ، وما يخشونه من شر يمسهم فيدعونه ليكشفه عنهم ، وصاروا يدعونهم كما يدعونه لذلك إما استقلالا ، وإما إشراكا ، إذ منهم من يظن أنه تعالى قد أعطاهم القدرة على التصرف في خلقه بما هو فوق الأسباب التي منحها اللّه تعالى لسائر الناس فصاروا يستقلون بالنفع والضر منحا ومنعا ، وإيجابا وسلبا ، ومنهم من يعتقد أن التصرف الغيبي الاعلى الذي هو فوق الأسباب الكسبية الممنوحة للبشر خاص بربهم لا يقدر عليه غيره ولكنهم يظنون مع هذا أن هؤلاء الأنبياء والأولياء عند اللّه تعالى كوزراء الملوك وحجابهم وبطانتهم ، وسطاء بينهم وبين من لم يصل إلى رتبتهم ، فالملك المستبد بسلطانه يعطي هذا ويعفو عن ذنب هذا بوساطة هؤلاء الوزراء والحجاب المقربين عنده ، وكذلك رب العالمين يعطي ويمنع ويغفر ويرحم وينتقم بوساطة أنبيائه وأوليائه بزعمهم ، فهم شفعاء للناس عنده تعالى