الشيخ محمد رشيد رضا
508
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والفصل بينها وبين الربوبية والألوهية ، وهدمها لقواعد الشرك ومباني الوثنية من أساسها . ومناسبتها لما قبلها أن اللّه تعالى أمر خاتم رسله فيما قبلها أن يجيب السائلين له عن الساعة بأن علمها عند اللّه تعالى وحده وأمرها بيده وحده - وأمره في هذه أن يبين للناس أن كل الأمور بيد اللّه تعالى وحده ، وأن علم الغيب كله عنده ، وأن ينفي كلا منهما عن نفسه صلّى اللّه عليه وسلّم وذلك أن الذين كانوا يسألونه ( ص ) عن الساعة من المسلمين كانوا يظنون أن منصب الرسالة قد يقتضي علم الساعة وغيرها من علم الغيب وربما كان يظن بعض حديثي العهد بالاسلام أن الرسول قد يقدر على مالا يصل اليه كسب البشر من جلب النفع ومنع الضر عن نفسه وعمن يحب أو يشاء ، أو منع النفع وإحداث الضر بمن يكره أو بمن يشاء . فأمره اللّه تعالى أن يبين للناس أن منصب الرسالة لا يقتضي ذلك ، وأنما وظيفة الرسول التعليم والارشاد ، لا الخلق والايجاد ، وأنه لا يعلم من الغيب إلا ما يتعلق بذلك مما علمه اللّه بوحيه ، وأنه فيما عدا تبليغ الوحي عن اللّه تعالى بشر كسائر الناس ( قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ ) * قال عز وجل : قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا أي قل أيها الرسول للناس فيما تبلغه من أمر دينهم إنني لا أملك لنفسي - أي ولا لغيري بالأولى - جلب نفع ما في وقت ما ، ولا دفع ضرر ما في وقت ما ، فوقوع كلمتي النفع والضر نكرتين منفيتين يفيد العموم حسب القاعدة المعروفة ، ونفي عموم الفعل يقتضي نفي عموم الأوقات له . ولكن هذا العموم مشكل بما هو معلوم بالضرورة من تمكن كل انسان سليم الأعضاء من نفع نفسه وغيره في بعض الأمور الكسبية ودفع بعض الضرر عنهما ، ولذلك حرمت الشريعة الضرر والضرار ويجاب عن هذا الاشكال من وجهين ( أحدهما ) أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا مستقلا بقدرته وإنما يملك ما يملكه من ذلك بتمليك الرب الخالق جلت قدرته وهو المراد بالاستثناء أي لا أملك منهما إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ من نفع أقدرني على جلبه وضر اقدرنى على منعه وسخرلي أسبابهما ، أو الا وقت