الشيخ محمد رشيد رضا
494
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فان صح الحديث رواية فهذا التردد من النبي ( ص ) في مكان الجزيرة التي ذكرها تميم الداري في أي البحرين هي ؟ ثم اضرابه عنهما وجزمه بأنه في جهة المشرق الخ إشكال آخر في متنه ينظر إلى اختلاف الروايات الأخرى في مكان الدجال بعين ، وينظر إلى اختلاف الروايات في ابن صياد بالعين الأخرى ، وينظر بالعينين كلتيها إلى سبب هذا التردد ومنافاته لأن يكون كلامه صلوات اللّه وسلامه عليه في أمر الدجال عن وحي من اللّه تعالى وسأتكلم في سببه في هذا البحث على تقدير صحة الرواية ثم أين هذه الجزيرة التي رفأ إليها تميم وأصحابه في سفينتهم ؟ إنها في بحر الشام أو بحر اليمن كما في اللفظ المرفوع - إن صح الحديث - أي الجهة المقابلة لسواحل سورية من البحر المتوسط ، أو الجهة المجاورة لشواطيء اليمن من البحر الأحمر ، وكل من البحرين قد مسحه البحارة في هذه الأزمنة مسحا ، وجابوا سطحهما طولا وعرضا ، وقاسوا مياههما عمقا عمقا ، وعرفوا جزائرهما فردا فردا ، فلو كان في أحدهما جزيرة فيها دير أو قصر حبس فيه الدجال وله جساسة فيها تقابل الناس وتنقل اليه الاخبار ، لعرف ذلك كله كل الناس ، وما قاله شارح المشارق من تنقل الدجال في البحرين أو من الجانب الشامي إلى الجانب اليمني بناء على زعمه أن البحر واحد - وما قاله الحافظ من انتقاله إلى أصفهان ليخرج منها مع سبعين ألفا من يهودها - كلاهما من الدعاوي التي لا أصل لها من النقل ، ولا من المقبول في نظر العقل ، وانما يستنبطونها للجمع بين الروايات المتعارضة التي يعز عليهم أن يرجعوها إلى قاعدتهم « تعارضت فتساقطت » حتى إن الحافظ رضي لنفسه في هذا الجمع أن يقر قول من قال إن ابن صياد شيطان تبدى في صورة الدجال في تلك المدة إلى أن ذهب إلى أصفهان ألخ وهو يحفظ تلك الروايات الكثيرة في ولادته بالمدينة ونشوئه فيها ، ثم اسلامه وحجه ثم موته فيها ، على أنه يحفظ بعض الروايات المضعفة لهذا ( 6 ) في الالفاظ المرفوعة من حكاية الجساسة أن النبي ( ص ) لم يقر تميما على كل ما حكاه ، بل على بعضه وهو قوله « فإنه أعجبني من حديث تميم انه وافق الذي كنت أحدثكم به عنه ( أي عن الدجال ) وعن المدينة ومكة » أي أنه لا يدخلهما . وقوله بعده « ألا انه في بحر الشام أو اليمن ، لا بل من قبل المشرق » الخ ما تقدم