الشيخ محمد رشيد رضا
481
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وكذلك الإمام أبو محمد علي بن حزم ( المتوفى سنة 456 ) لم يعبأ بشيء من هذه الروايات في هذه المسألة على طول باعه وسعة حفظه للآثار وقد سبق القاضي عياضا والقاضي أبا بكر ابن العربي وابن خلدون في رفضه لما قيل في عمر الدنيا وعجبت كيف غفل الحافظ عن إيراد ما قاله في هذه المسألة على سعة اطلاعه . قال بعد ذكر ما كان يقول اليهود والنصارى في بدء الخليقة ما نصه « وأما نحن - يعني المسلمين - فلا نقطع على علم عدد معروف عندنا ، ومن ادعى في ذلك سبعة آلاف سنة أو أكثر أو أقل فقد قال ما لم يأت قط عن رسول اللّه ( ص ) فيه لفظة تصح ، بل صح عنه ( ص ) خلافه ، بل نقطع على أن للدنيا أمدا لا يعلمه إلا اللّه تعالى . قال اللّه سبحانه ( ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ) وقال رسول اللّه ( ص ) « ما أنتم في الأمم قبلكم إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود ، أو الشعرة السوداء في الثور الأبيض » وهذه نسبة من تدبرها وعرف مقدار عدد أهل الاسلام ونسبة ما بأيديهم من معمور الأرض وأنه الأكثر - علم أن للدنيا أمدا لا يعلمه إلا اللّه . وكذلك قوله عليه السّلام « بعثت أنا والساعة كهاتين » وضم أصبعيه المقدستين السبابة والوسطى ، وقد جاء النص بأن الساعة لا يعلم متى تكون إلا اللّه تعالى لا أحد سواه - فصح أنه ( ص ) انما عنى شدة القرب لافضل الوسطى على السبابة إذ لو أراد ذلك لاخذت نسبة ما بين الإصبعين ونسب من طول الإصبع - فكان يعلم بذلك متى تقوم الساعة وهذا باطل ، وأيضا فكان تكون نسبته ( ص ) إيانا إلى من قبلنا بأننا كالشعرة في الثور كذبا ، ومعاذ اللّه من ذلك فصح أنه ( ص ) انما أراد شدة القرب . وله صلّى اللّه عليه وسلّم منذ بعث أربعمائة عام ونيف ، واللّه تعالى أعلم بما بقي للدنيا « فإذا كان هذا العدد العظيم لا نسبة له عندما سلف لقلته وتفاهته بالإضافة إلى ما مضى فهو الذي قاله ( ص ) من أننا فيمن مضى كالشعرة في الثور أو الرقمة في ذراع الحمار اه كلام ابن حزم وأقول هذا كلام الأئمة المحققين فالذين حاولوا تحديد عمر الدنيا ومعرفة وقت قيام الساعة ارضاء لشهوة الاتيان بما يهم جميع الناس لم يشعروا بأنهم يحاولون تكذيب آيات القرآن الكثيرة الناطقة بأن الساعة من علم الغيب الذي استأثر اللّه