الشيخ محمد رشيد رضا
465
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
البلغاء نظير ، ولم أر أحدا نبه لهذا . وذكر الساعة أولا والاستفهام عن زمن وقوعها ثانيا على قاعدة تقديم الأهم وهو المقصود بالذات . قيل إن المراد بالسائلين هنا اليهود سألوه عنها امتحانا قالوا إن كان نبيا فإنه لا يعين لها زمنا لان اللّه تعالى لم يطلع على ذلك أحدا من رسله ، وقيل قريش ويرجحه أن السورة مكية ولم يكن في مكة أحد من اليهود ، وصيغة يسألونك المتبادر منها الحال لا الاستقبال البعيد . وفي آية الأحزاب ( 33 : 63 يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً ) وهذه مدنية . قال ابن كثير بعد ترجيح كون السائلين من قريش : وكانوا يسألون عن وقت الساعة استبعادا لوقوعها وتكذيبا بوجودها كما قال تعالى ( وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) * وقال تعالى ( 42 : 16 يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها ، وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ * أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ) وقوله ( أَيَّانَ مُرْساها ) قال علي بن طلحه عن ابن عباس : منتهاها . أي متى محطها وأيان آخر مدة الدنيا الذي هو أول وقت الساعة اه قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي قل أيها النذير ان علم الساعة عند ربي وحده ليس عندي ولا عند غيري من الخلق شيء منه - وهذا ما يدل عليه لفظ « إِنَّما » من الحصر كما قال تعالى في الآية التي فسر بها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مفاتح الغيب ( 31 : 34 إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ ) أي عنده لا عند أحد سواه - ومثله قوله تعالى ( 41 : 46 إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها ) الآية أي يرد اليه وحده لا إلى غيره . وأشبه الآيات الدالة على استئثار علم اللّه تعالى بالساعة بآية الأعراف آيتان آية الأحزاب ( 33 : 63 ) وذكرناها آنفا - وآية أواخر النازعات وما بعدها : ( 70 : 42 يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها 43 فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها 44 إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها 45 إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها 46 كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها ) أي إلى ربك وحده من دونك ودون سائر خلقه منتهى أمر الساعة الذي يسألونك عنه ، وانما أنت منذر لأهل الايمان الذين يخشونها ويستدون لها لا تعدو وظيفة الانذار والتعليم والارشاد .