الشيخ محمد رشيد رضا
459
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
اللّه المذكور في الآية الأولى وآياته المشار إليها بعدها يؤمنون ؟ والمراد ان محمدا رسول اللّه ( ص ) نذير مبين عن اللّه تعالى وانما أنذر الناس بهذا الحديث أي القرآن كما أمره أن يقول ( 6 : 19 وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ) وهو أكمل كتب اللّه بيانا ، وأقواها برهانا ، وأقهرها سلطانا ، فمن لم يؤمن به فلا مطمع في ايمانه بغيره ، ومن لم يرو ظماه الماء النقاخ المبرد فأي شيء يرويه ؟ ومن لم يبصر في نور النهار ففي أي نور يبصر ؟ ثم قال تعالى * * * مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ هذا استئناف بياني مقرر لجملة هذا السياق ، ومعنى الجملة المراد أن اللّه تعالى قد جعل هذا القرآن أعظم أسباب الهداية وانما جعله هدى للمتقين ، لا للجاحدين المعاندين ، وجعل الرسول المبلغ له أكمل الرسل وأقواهم برهانا في حاله وعقله وأخلاقه وكونه أميا - فمن فقد الاستعداد للايمان والهدى بهذا الكتاب على ظهور آياته وقوة بيناته ، وبهذا الرسول المتحدي به - فهو الذي أضله اللّه ، أي قضت سنته في نظام خلق الانسان ، وارتباط المسببات في أعماله بالأسباب ، بأن يكون ضالا راسخا في الضلال ، وإذا كان ضلاله بمقتضى سنن اللّه ، فمن يهديه من بعد اللّه ؟ ولا قدرة لأحد من خلقه على تغيير سننه ولا تبديلها وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ أي وهو تعالى يترك هؤلاء الضالين في طغيانهم كالشئ اللقا الذي لا يبالي به حالة كونهم يعمهون فيه أي يترددون تردد الحيرة والغمة لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ، وفي هذا بيان لسبب ضلالهم من كسبهم ، وهو الطغيان أي تجاوز الحد في الباطل والشر من الكفر والظلم والفجور الذي ينتهي بالعمه وهو التردد في الحيرة ، والارتكاس في الغمة . وقد روعي في إفراد الضمير أولا لفظ « من يضلل » وفي جمعه آخرا معناها وهو الجمع ، ونظائره كثيرة وقد علم مما قررناه أن اسناد الاضلال إلى اللّه تعالى ليس معناه انه أجبرهم على الضلال إجبارا ، وأعجزهم بقدرته عن الهدى فكان ضلالهم اضطرارا لا اختيارا ، بل معناه أنهم مارسوا الكفر والضلال وأسرفوا فيهما حتى وصلوا إلى حد العمة في الطغيان ، ففقدوا بهذه الاعمال الاختيارية ما يضادها من الهدى والايمان وقرأ حمزة والكسائي يذرهم باسكان الراء فقيل هو للتخفيف وقيل للأعراب بالعطف على جواب الشرط وقرأه بعض القراء بالنون على الالتفات