الشيخ محمد رشيد رضا
457
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ألقاه في روعه ، ونزل من لدنه على روحه ، وعلموا ان استبعادهم لذلك جهل منهم ، فاللّه تعالى القادر على كل شيء يختص برحمته من يشاء . لهذا حثهم على التفكر في هذا المقام من هذه السورة وغيرها وذكر بعدها كونه نذيرا مبينا ، ونذيرا بين يدي عذاب شديد . ثم إنه دعاهم بعد هذا إلى النظر والاستدلال العقلي فقال * * * أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ الملكوت الملك العظيم كما تدل عليه صيغة ( فعلوت ) والمراد بملكوت السماوات والأرض مجموع العالم لأن الاستدلال به على قدراة للّه تعالى وصفاته ووحدانيته أظهر ، فان العالم في جملته لا يمكن أن يكون قديما أزليا ولا نزاع بين علماء الكون في إمكانه ولا في حدوث كل شيء منه وانما يختلفون في مصدره ومم وجد . وهو لا يمكن أن يكون من عدم محض لأن العدم المحض لا حقيقة له في الخارج بل هو أمر فرضي فلا يعقل أن يصدر عنه وجود - ولا يمكن أن يكون بعضه قد أوجد البعض الآخر وهذا بديهي ولذلك لم يقل به أحد ، فلا بد إذا من أن يكون صادرا عن وجود آخر غيره وهو اللّه واجب الوجود . ثم إن هذا النظام العام في الملكوت الأعظم يدل على أن مصدره واحد وتدبيره راجع إلى علم عليم واحد وحكمة حكيم واحد ، سبحانه وتعالى ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ؟ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ ؟ أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ؟ بَلْ لا يُوقِنُونَ ) ومعنى الآية أكذبوا الرسول المشهور بالأمانة والصدق ، وقالوا : إنه لمجنون وهو المعروف عندهم بالرؤية والعقل ، حتى جعلوا تحكيمه في تنازعهم على رفع الحجر الأسود هو الحكم الفصل - ولم ينظروا نظر تأمل واستدلال في مجموع ملكوت السماوات والأرض على عظمته ، والنظام العامّ الذي قام بجملته ، وما خلق اللّه من شيء في كل منهما وإن دق وصغر ، وخفي واستتر ، ففي كل شيء من خلقه له آية تدل على علمه وقدرته ، ومشيئته وحكمته ، وفضله ورحمته ، وكونه لم يخلق شيئا عبثا ، ولا يترك الناس سدى ، تدل على ذلك بوجود ذلك الشيء بعد ان لم يكن ، وبترجيح كل وصف من أوصافه على ما يقابله ، وبما فيها من فائدة ومنفعة ، فكيف بالملكوت