الشيخ محمد رشيد رضا
455
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
المتوسلين بها إلى اللّه زلفى وتشفع لهم عنده ، وأثبتوا ان الشفاعة للّه وحده لا يشفع أحد عنده إلا باذنه ، من رضي له لمن رضي عنه ، فلا استقلال لهؤلاء الآلهة بالشفاعة عنده لمن توسل بهم - وشرعوا أنه لا يدعى مع اللّه أحد من ملك كريم ، ولا صالح عظيم ، فضلا عن صورهم وتماثيلهم المذكرة بهم ، وقبورهم المشرفة برفاتهم ، مع أن المذنب العاصي لا يليق به في رأي المشركين أن يدعو اللّه تعالى بغير واسطة ولا وسيلة لتدنسه بالذنوب فيحتاج إلى من يقربه اليه من أولئك الطاهرين ، وشبهتهم أن الملوك العظام في الدنيا لا يدخل أحد عليهم الا باذن وزرائهم وحجابهم . ومن الغريب أن هذه الشبهة الشركية لا يزال متسلسلة في جميع المشركين ، حتى من أشرك من أهل الكتاب والمسلمين ، الذين خالفوا نصوص الكتب الإلهية وسنة الرسل إلى أعمال الوثنيين ؟ ولا يرون بأسا في تشبيه رب العالمين وأرحم الراحمين ، بالملوك الظالمين المستبدين ، وأما معنى الآية فالاستفهام فيه للانكار والتوبيخ وهو داخل على فعل حذف للعلم به من سياق القول كما تقدم في أمثاله والتقدير : أكذبوا الرسول ولم يتفكروا في حاله من أول نشأته ، وفي حقيقة دعوته ، ودلائل رسالته ، وآيات وحدانية ربه ، وقدرته على إعادة الخلق كما بدأهم وحكمته في ذلك - فان حذف معمول التفكر يؤذن بعموم ما يدل عليه المقام مما تقتضيه الحال كما هي القاعدة المعروفة في علم المعاني - ألا فليتفكروا فالمقام مقام تفكر وتأمل ، انهم ان تفكروا أوشك أن يعرفوا الحق ، وما الحق ؟ ( ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ ) جملة مستأنفة لبيان الحق في أمر الرسول نفيا واثباتا فهي نافية لما رموه به من الجنون كقوله تعالى ( ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ) وقوله ( وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ) ومثلها آية سبأ ( ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا : ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ) ولذلك ختمتا بنفي كل صفة عنه في موضوع رسالته الا كونه منذرا مبلغا عن ربه فقال هنا إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ الا نذار تعليم وارشاد مقترن بالتخويف من مخالفته أي ليس بمجنون : ليس الا منذرا ناصحا ، ومبلغا عن اللّه مبينا ، ينذركم ما يحل بكم من عذاب الدنيا والآخرة إذا لم تستجيبوا له ، وقد دعاكم لما يحييكم في الدنيا يجمع كلمتكم ، واصلاح أفرادكم ومجتمعكم ، والسيادة على غيركم ، ويحييكم في الآخرة بلقاء ربكم . وقال هنالك ( إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ )