الشيخ محمد رشيد رضا
449
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
* * * ( 181 ) وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ( 182 ) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ( 183 ) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ( 184 ) أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ ، إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 185 ) أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ؟ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ؟ ( 186 ) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ، وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ * * * بعد الانتهاء من قصة موسى مع قومه التي ختمت بها قصص الرسل من هذه السورة بين اللّه تعالى لنا في بضع آيات منها شيئا من شؤون البشر العامة في الايمان والشرك والهدى والضلال ، وما لفساد الفطرة واهمال مواهبها من العقل والحواس من سوء المآل ، وارشدنا في آخرها إلى ما يصلح فساد الفطرة من دعائه بأسمائه الحسنى ، وإلى ما للالحاد فيها من سوء الجزاء في العقبى . ثم قفى على هذه البضع الآيات ببضع آيات أخرى في شأن الأمة المحمدية بدأها بوصف أمة الإجابة ، وثنى بذكر المكذبين من أمة الدعوة ، وثلث بتفنيد ما عرض لهم من الشبهة ، فالارشاد إلى التفكر الموصل إلى فقه الأمور وما في حقائقها من العبرة ، وإلى النظر الهادي إلى مآخذ البرهان والحجة ، لمعرفة صدق الرسول وما في القرآن من الهداية والعلم والحكمة ، فالموعظة الحسنة المؤثرة في النفس المستعدة بالتذكير بقرب الأجل ، والاحتياط للقاء اللّه عز وجل ، وختمها ببيان عدم الطمع في هداية من قضت سنة اللّه بضلاله ، وتركه يعمه في طغيانه . قال تعالى وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ هذه الجملة معطوفة على جملة ( وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ) وكلتاهما تفصيل لاجمال قوله تعالى ( مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي ) الخ بدأه ببيان حال من أضلهم وهم الذين أهملوا