الشيخ محمد رشيد رضا
441
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ * فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ * * فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ) * الخ وأما الالحاد فمعناه العام الميل والازورار عن الوسط حسا أو معنى ، والأول الأصل فيه كأمثاله ، ومنه لحد القبر للميت وهو ما يحفر في جانب القبر من جهة القبلة مائلا عن وسطه ويسوى ببناء ونحوه ويوضع فيه الميت ، ويقابله الضريح أو الشق وهو وضعه في وسط القبر ( واللحد أفضل في الشرع ) يقال لحد القبر وألحده ، ولحد للميت وألحد : أي جعل له لحدا . ومن كلامهم ألحد السهم الهدف : أي مال في أحد جانبيه ولم يصب وسطه ، ولما كان « خيار الأمور أوساطها » كان الانحراف عن الوسط مذموما ، ومنه أخذ التعبير عن الكفر والتعطيل والشك في اللّه تعالى بالالحاد وسمي ذووه الملاحدة والملحدون . قال الراغب : اللحد حفرة مائلة عن الوسط وقد لحد القبر حفره وألحده وقد لحدت الميت وألحدته : جعلته في اللحد ، ويسمى اللحد ملحدا وهو اسم موضع من ألحدته . ولحد بلسانه إلى كذا مال ، قال تعالى ( لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ ) من لحد وقرئ ( يُلْحِدُونَ ) من ألحد « 1 » وألحد فلان : مال عن الحق ، والالحاد ضربان : إلحاد إلى الشرك باللّه ، وإلحاد إلى الشرك بالأسباب « 2 » فالأول ينافي الايمان ويبطله ، والثاني يوهن عراه ولا يبطله . ومن هذا النحو قوله ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ) وقوله ( الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ ) والالحاد في أسمائه على وجهين : أحدهما أن يوصف بما لا يصح وصفه به ، والثاني أن يتأول أوصافه على ما لا يليق به اه
--> ( 1 ) الآية رد على بعض كفار قريش الذين قالوا إن النبي ( ص ) يعلمه بشر يعنون روميا كان بمكة يصنع السيوف ، ورأوه ( ص ) يقف عنده يتأمل صنعته . قال تعالى ( لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ) فاستعمال الالحاد فيه على القاعدة لأنهم ما لوا فيه إلى الباطل ( 2 ) هو النظر إلى الأسباب مع الغفلة عن كونها من خلق اللّه وتسخيره ويخشى أن ينسى الانسان ذلك أو يعتقد انها مؤثرة بذاتها لا بفعله تعالى وهو شرك جلي ، والظاهر أن الراغب أراد بهذا النوع المعاصي كالظلم في الحرم من قولهم : المعاصي يريد الكفر