الشيخ محمد رشيد رضا

42

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ونشر شريعتهما فيمن أرسلا إليهم - إلى آخر ما بيناه آنفا في نكتة عطفها على ما قبلها بثم ونكتة التعبير ببعثنا ، ولذلك ذكر في أواخرها تبشير موسى وكذا عيسى بالنبي الأمي الخاتم محمد صلوات اللّه عليهم أجمعين وأما قوله ( حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ) على قراءة الجمهور فقد جاء على غير المشهور عن العرب في هذه الكلمة إذ يقولون : أنت حقيق بكذا - وأنت حقيقة بأن تفعلي كذا ، كما يقولون أنت جدير به وخليق به ، ولم ينقل عنهم استعماله بعلى ، ولكن ورد في كلامهم استعمال « على » بمعنى الباء كقولهم : اركب على اسم اللّه - وهو الذي اعتمده ابن هشام في المغني في تخريج الآية عند ذكر المعنى السابع من معاني « على » الجارة وأيده بقراءة أبيّ بن كعب رضي اللّه عنه ( حقيق بأن لا أقول ) ومثلها قراءة عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه ( حقيق أن لا أقول . . ) لان المتبادر أن الجار المحذوف من أن هو الباء وحذف الجار من أن الخفيفة وأن المشددة قياسي معروف . وقد سبقه إلى هذا الاختيار بعض المفسرين : قال الحافظ ابن كثير في الجملة عن بعضهم : معناه حقيق بأن لا أقول على اللّه الا الحق ، أي جدير بذلك وحري به قالوا والباء وعلى يتعاقبان يقال رميت بالقوس وعلى القوس وجاء على حال حسنة وبحال حسنة . وقال بعض المفسرين معناه حريص على أن لا أقول على اللّه الا الحق اه والمراد من القول الثاني أن حقيقا قد ضمن معنى الحرص وهو منقول عن الفراء النحوي المفسر المشهور ، وقد بينا مرارا أن التضمين جمع بين المعنى الأصلي للكلمة والمعنى الذي أفادته التعدية فيكون المراد من العبارة : إني رسول من رب العالمين حقيق وجدير بأن لا أقول على اللّه الا الحق وحريص على ذلك فلن أخلّ به . وما قيل من أنه من باب قلب الحقيقة إلى المجاز أو من باب الاغراق في وصف موسى نفسه بالصدق حتى جعل قول الحق كأنه يسعى ليكون هو قائله والقائم به ولا يرضى أن ينطق به غيره - فلا يخلو من تكلف وان قال الزمخشري في الأخير انه هو الأوجه الادخل في نكت القرآن وقرأ نافع ( حقيق علي أن لا أقول على الله الا الحق ) أي واجب وحق علي أن لا أخبر عنه تعالى الا بما هو حق وصدق لما أعلم من عز جلاله وعظيم شأنه - كما قال الحافظ بن كثير . إذا علم هذا فنقول في تفسير الآيات بلغ موسى ( ص ) فرعون انه رسول من رب العالمين كلهم - أي سيدهم