الشيخ محمد رشيد رضا
415
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وقصته مطولة وهي أشبه برواية وهب غير أن الذين دوّنوا التوراة الموجودة اليوم برؤا بلعام فقالوا انه ذهب إلى منزله ولم يدع على بني إسرائيل ولم يصبة شيء ، فان كانت الآيات نزلت في حكاية بلعام فيكون القرآن قد أظهر ما كتمه التوراتيون وأظهر ما خبأوه ويكون هذا من جملة المعجزات الدالة على أن القرآن من عند اللّه تعالى وان كانت في غيره فاللّه أعلم بمن نزلت . على أن الصحيح ان الآيات شاملة لكل من كانت هذه صفته من كل من آتاه اللّه الآيات التي هي الحجج التي جاء بها الأنبياء ثم إنه انسلخ منها - إلى أن قال - والصواب في تفسير هذه الآية انه لا يخص منه شيء إذا كان لا دلالة على خصوصه من خبر ولا عقل » اه المراد من كلام ابن عساكر أقول إن هذا الحافظ كان مطلعا على التوراة التي في أيدي أهل الكتاب وهي عين التي بين أيدينا منها إلا ما في اختلاف الترجمات القديمة والحديثة من الفروق وهي وان كان فيها اختلاف في المعاني فلن يصل إلى الحد الذي في روايات وهب وكعب وغيرهما من رواة الإسرائيليات الكاذبة . وابن عساكر يرجح قول وهب على ما في التوراة لأنه ثقة عنده في الرواية ويعد روايته دليلا على معجزة للقرآن ، ولو ذكر القرآن ان الرجل الذي آتاه اللّه آياته هو بلعام هذا أو لو صح هذا في خبر مسند متصل عن النبي ( ص ) لكان صحيحا ، ولكن يجب أن نعلم من أين جاء وهب بهذه القصة وهو لم يكن الا روايا لما عند أهل الكتاب وما قاله مخالف لما عندهم ؟ وقصة بلعام مفصلة في الفصول 22 - 24 من سفر العدد وفيها أنها وقعت في « عربات موآب من عبر أردن أريحا » من أرض مدين كما نقول ( أو مديان كما يقولون ) وان بالاق بن صفور ( بكسر الصاد المهملة وتشديد الفاء ) ملك الموآبيين طلب من بلعام بن بعور أن يلعن بني إسرائيل لينصره اللّه عليهم ووعده بمال كثير فأوحى اللّه إلى بلعام أن لا يفعل فلم يفعل ، وفي قاموس الكتاب المقدس للدكتور بوست ان بلعام هذا من قرية فثور من بين النهرين قال « وكان نبيا مشهورا في جيله والظاهر أنه كان موحدا يعبد