الشيخ محمد رشيد رضا

406

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

تجرده وانسلاله منها وتركه إياها بحيث لا يلتفت إليها لاهتداء ولا اعتبار ولا عمل والتعبير بالانسلاخ المستعمل عند العرب في خروج الحيات والثعابين أحيانا من جلودها يدل على أنه كان متمكنا منها ظاهرا لا باطنا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ اي فترتب على انسلاخه منها باختياره ان لحقه الشيطان فأدركه وتمكن من الوسوسة له إذ لم يبق لديه من نور العلم والبصيرة ما يحول دون قبول وسوسته ، وأعقب ذلك أن صار من الغاوين أي الفاسدين المفسدين * * * وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها أي ولو أردنا أن نرفعه بتلك الآيات إلى درجات الكمال والعرفان ، التي تقرن فيها العلوم بالاعمال ، ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ ) - لفعلنا بأن نخلق له الهداية خلقا ، ونحمله عليها طوعا أو كرها ، فان ذلك لا يعجزنا ، وإنما هو مخالف لسنتنا ، وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ أي ولكنه اختار لنفسه التسفل المنافي لتلك الرفعة بان أخلد ومال إلى الأرض وزينتها وجعل كل حظه من حياته التمتع بما فيها من اللذائذ الجسدية ، فلم يرفع إلى العالم العلوي رأسا ، ولم يوجه إلى الحياة الروحية الخالدة عزما ، واتبع هواه في ذلك فلم يراع فيه الاهتداء بشيء مما آتيناه من آياتنا ، وقد مضت سنتنا في خلق نوع الانسان بان يكون مختارا في عمله ، المستعد له في أصل فطرته ، ليكون الجزاء عليه بحسبه ، وأن نبتليه ونمتحنه بما خلقنا في هذه الأرض من الزينة والمستلذات ( إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) ونولي كل انسان منهم ما تولى ( مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ، ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً * كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ، وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ) وقد مضت سنتنا أيضا بان اتباع الانسان لهواه بتحريه وتشهيه ما تميل اليه نفسه في كل عمل من أعماله دون ما فيه المصلحة والفائدة له من حيث هو جسد