الشيخ محمد رشيد رضا
394
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ولا رب غيري ، ولا تشركوا بي شيئا ، واني سأرسل لكم رسلا لينذروكم عهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتبي ، قالوا نشهد أنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك فأقروا له يومئذ بالطاعة ورفع أباهم آدم فنظر إليهم فرأى فيهم الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك فقال يا رب لو سويت بين عبادك قال إني أحببت ان أشكر ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج عليهم النور وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة فهو الذي يقول تعالى ( وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ ) الآية وهو الذي يقول ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ ) الآية . ومن ذلك قال ( هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى ) ومن ذلك قال ( وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ ) الآية رواه عبد اللّه بن الإمام أحمد في مسند أبيه ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه في تفاسيرهم من رواية أبي جعفر الرازي به . وروي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والسدي وغير واحد من السلف سياقات توافق هذه الأحاديث اكتفينا بايرادها عن التطويل في تلك الآثار كلها وباللّه المستعان فهذه الأحاديث دالة على أن اللّه عز وجل استخرج ذرية آدم من صلبه وميز بين أهل الجنة وأهل النار ، وأما الاشهاد عليهم هناك بأنه ربهم فما هو إلا في حديث كلثوم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - وفي حديث عبد اللّه بن عمرو وقد بينا أنهما موقوفان لا مرفوعان كما تقدم ، ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف إن المراد بهذا الاشهاد انما هو فطرهم على التوحيد كما تقدم في حديث أبي هريرة وعياض بن حمار المجاشعي ومن رواية الحسن البصري عن الأسود بن سريع وقد فسر الحسن الآية بذلك قالوا : ولهذا قال ( وإذ أخذ ربك من بني آدم ) ولم يقل من آدم ( من ظهورهم ) ولم يقل من ظهر ذرياتهم أي جعل نسلهم جيلا بعد جيل ، وقرنا بعد قرن ، كقوله تعالى ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ ) وقال ( وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ ) وقال ( كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ) ثم قال وأشهدهم على أنفسهم ( أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قالُوا بَلى ) أي أوجدهم شاهدين بذلك قائلين له حالا وقالا والشهادة تارة تكون بالقول كقوله ( قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا ) الآية . وتارة تكون حالا كقوله تعالى ( ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ