الشيخ محمد رشيد رضا
369
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
كمنظر المقل ، وعبر عنه فيها بخبز السماء . وقد كان يقوم مقام الخبز . ويقول كثير من المفسرين إنه هو المعروف عند الأطباء بالترنجبين . وقال ( الدكتور بوست ) في قاموس الكتاب المقدس : لا يجوز أن يشتبه بين هذا المن والمن الطبي الذي هو عصير منعقد من شجرة الدردار ولا هو أيضا - المن الذي يتكون من شجرة الطرفاء وعلل ذلك بقوله ( 1 ) إن الإسرائيليين لم يروه قبل رحلتهم ( 2 ) لا يوجد المنّ العرّبي الا تحت الطرفاء وفي أول الصيف فقط ( 3 ) يمكن حفظه مدة طويلة ولا يدود ( 4 ) لا يمكن طحنه أو دقه ( 5 ) يتكوّن المن كل يوم من أيام الأسبوع مدة الفصل اه . وفي قوله نظر لا حاجة إلى شرحه ، وهو يريد به إثبات ما قاله من أن هذا المن كان « عجيبة » أي معجزة أو كرامة لموسى عليه السّلام . ونحن لا ننكر ما آتى اللّه كليمه من الآيات البينات والحجج على قومه لاصلاحهم . وقد كان أفسدهم استعباد المصريين لهم ويكفي أن تكون المعجزة في نزولها بتلك الكثرة التي كانت تكفي تلك الألوف وتقوم عندهم مقام الخبز كما اعترف به هو في ( السلوى ) فقد وافق غيره في أنها هي طير السمان المعروف وقال : إنها كانت تهاجر من أفريقية ( ولا سيما مصر ) فتصل إلى سيناء تعبة فتقع على الأرض أو تسفّ فتؤخذ باليد . وقيل طير تشبه السمان ولكنها أكبر منها . كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ هنا قول مقدّر يكثر مثله في التنزيل وكلام العرب أي وقلنا لهم - أو أنزلنا ما ذكر عليهم قائلين : كلوا من طيبات ما رزقناكم ، فوضع هذا الوصف للمن والسلوى موضع الضمير لتعظيم شأن المنة بهما . واسناد الرزق إلى ضمير جمع العظمة تأكيد للتنبيه والتذكير بما يجب من شكره تعالى على ذلك . ويقدر مثل هذا في آية البقرة المدنية ، وإن كانت خطابا لبني إسرائيل المجاورين للنبي ( ص ) في المدينة ولمن بلغه من غيرهم ، فان الخطاب لهم هنالك إنما كان بما وقع لأجدادهم فهو بمعنى الحكاية في آية الأعراف إلا أن الكلام هنا كان موجها أولا إلى المشركين لأن السورة مكية ، ولذلك اتحد عجز الآية في السورتين وهو :