الشيخ محمد رشيد رضا

359

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

كل قسم منه لما أقسم به عليه لتوكيده ، كالاقسام بالنجم على هداية النبي ( ص ) ورشاده ، لأن كلا منهما يهتدى به ، ثم الانتقال من ذلك إلى ما ورد في التفسير المأثور مناسبا لذلك . ولا بأس ببيان ذلك وان طال الاستطراد إزالة لشبهة مصطفى كمال باشا وأمثاله لئلا يكون تأخيرا للبيان عن وقت الحاجة فنقول : إن الجمع في قوله تعالى ( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ) بين نوعين من الشجر وموقعين من بقاع الأرض لم يكن الا لمناسبة جامعة بينهما كما هو المعهود في التنزيل ، وفيما دونه من كلام البلغاء أيضا . ولما كان من المعلوم قطعا أن طور سينين ( أي سيناء ) مهبط الوحي على موسى عليه الصلاة والسّلام ومظهر نبوّته - وأن البلد الأمين ( مكة ) مهبط الوحي على محمد عليه الصلاة والسّلام ومظهر نبوّته - ترجح أن يكون المراد بالتين والزيتون الكناية عن مظهرين من مظاهر النبوّة والدين ، كما يكنى بالاهرام أو أبي الهول عن حضارة الفراعنة ، وبشجر الأرز عن جبل لبنان مثلا وإذا رجعنا للتفسير المأثور عن السلف في ذلك ترى فيه عن ترجمان القرآن وحبر الأمة ابن عباس ( رض ) قولين ( أحدهما ) ما رواه عنه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه في تفاسيرهم وهو أن المراد بالتين مسجد نوح ( عليه السّلام ) الذي بناه بأعلى الجودي - أي حيث استوت سفينته بعد الطوفان - والزيتون بيت المقدس وطور سينين مسجد الطور والبلد الأمين مكة ( ثانيهما ) ما رواه عنه الأخير من أن المراد بالتين والزيتون المسجد الحرام والمسجد الأقصى حيث أسرى بالنبي ( ص ) الخ : ويقوي الأول تعدد رواته وموافقة التاريخ له كما بينه شيخنا الأستاذ الامام من وجه آخر في تفسير السورة من جزء عم فإنه قال بعد حكاية أشهر أقوال المفسرين ما نصه : « وقال قليل من المفسرين إن الاقسام هو بالنوعين لذاتهما التين والزيتون قالوا لكثرة فوائدهما . ولكن تبقى المناسبة بينهما وبين طور سينين والبلد الأمين وحكمة جمعهما معهما في نسق واحد غير مفهومة ، ولهذا رجح أنهما موضعان ، وقد يرجح أنهما النوعان من الشجر ولكن لا لفوائدهما كما ذكروا ، بل لما يذكران به من الحوادث العظيمة التي لها الآثار الباقية في أحوال البشر قال صاحب هذا القول