الشيخ محمد رشيد رضا
344
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
كتاب اللّه ورسوله ، ولهذا كان قدماء العجم من المسلمين يزاحمون العرب بالمناكب في تلقي العربية من اعراب البادية وفي جميع علومها وفنوتها وآدابها كعلوم الشريعة نفسها ، وذلك ان إيمانهم كان برهانيا وجدانيا ، وما أحدث التنافس بين لغة الدين الذي عليه مدار سعادة الدارين ولغة الآباء من العجم الا بعض زنادقة الفرس الأولين وملاحدة الترك المتأخرين . وأما قدماء مسلمي الترك الذين أعرضوا عن العربية وفنونها فكانت آفتهم الجهل فالخوف من عودة السلطان والسيادة إلى العرب - وهذا هو الذي أعدهم لقبول دسائس الإفرنج بالدعوة إلى عصبية الجنس واللغة التي قوضت سلطنتهم ( امبراطوريتهم ) العظمى بجهلهم ( ثانيهما ) ان ما لا بد منه من التلاوة في الصلاة وهو الفاتحة وبعض الآيات أو السور القصيرة يمكن أن يفسر لكل مسلم يحفظه تفسيرا يتمكن به من فهم معناه والاعتبار به ، فهو لا يتوقف على ترجمته وتسميتها كلام اللّه كذبا على اللّه وخلافا لنص كتاب اللّه واجماع المسلمين - فضلا عن ترجمة جميع القرآن كذلك ( الشبهة الرابعة ) مسألة تبليغ الدعوة إلى الاسلام . وقد بينا بطلانها من قبل ، ونزيدها هنا بيانا فنقول : لئن كان اطلاع بعض الأفراد من أعاجم الشرق والغرب على ترجمة القرآن سببا لاسلامهم فعلته أنهم عرفوا منها أصول الاسلام ومقاصده كلها أو بعضها ، وذلك كاف لتفضيله على غيره من الأديان كلها ، ولم يكن سببه ترجمته كتأثير أصله المعجز للبشر ، في إقناع العقول ، وهداية القلوب ، الذي كان سبب اهتداء العرب ، وقلب طباعهم ، وجمع كلمتهم ، وارتفاع رايتهم ، وخضوع الأمم والشعوب لهم . ولو بلغت هذه الأصول والمقاصد للأعاجم بلغاتهم بأسلوب آخر بأن يذكر كل أصل في فصل خاص مع الشواهد عليه من القرآن والسنة ، ببيان معاني نصوصهما بالتفسير ، وإقامة الأدلة عليه من النقل والعقل - لكان يكون ذلك أقرب إلى الاقناع ، وأشد تأثيرا في هداية المستعد للاسلام . فان هذه هي الطريقة المثلى للدعوة ، وهي التي جرى عليها مسلمو خير القرون ، وشهد لهم بذلك أصدق الشهود ، وأبعدها عن الجرح والطعن - وهي