الشيخ محمد رشيد رضا
27
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الواو على أن الهمزة للانكار والواو للعطف على محذوف كالذي قبله ، وقد أعيد الاستفهام وما يتعلق به لنكتة وضع المظهر موضع المضمر التي بيناها آنفا . والضحى انبساط الشمس وامتداد النهار ويسمى به الوقت ، أو ضوء الشمس في شباب النهار ، واختاره الأستاذ الامام . واللعب بفتح اللام وكسر العين ما لا يقصد فاعله بسبب منفعة ولا دفع مضرة بل يفعله لانس له به أو لذة له فيه كلعب الأطفال ، وما يقصد به العقلاء رياضة الجسم قد يخرج عن حقيقة اللعب ويكون اطلاقه عليه مجاريا بحسب صورته ، وكم من عمل صورته لعب أو هزل ، وحقيقته حكمة وجد ، وكم من عمل هو عكس ذلك كالعمل الفاسد الذي يقصد به ما يظن أنه نافع وهو ضارّ ، وما يتوهم انه حكمة وهو عبث وخرق ، وقد يكون اطلاق اللعب على أعمال هؤلاء الجاهلين الغافلين من هذا الباب : أي أو أمن أهل القرى ان يأتيهم عذابنا في وقت الضحى وهم مهمكون في أعمالهم التي تعد من قبيل لعب الأطفال لعدم فائدة تترتب عليها مطلقا أو بالنسبة إلى ما كان يجب تقديمه عليها من سلوك سبيل السلامة من العذاب ؟ فأما أهل القرى من الغابرين فالظاهر ما حكاه اللّه تعالى عنهم أنهم كانوا آمنين اتيان هذا العذاب ليلا ونهارا فكان إتيانه إياهم فجأة في وقت لا يتسع لتلافيه وتداركه فالاستفهام لا يظهر في شأنهم الا بتأول لا يحتاج إلى مثله في أهل القرى الحاضرين ، ومن سيكون في حكمهم من الآتين ، والمراد انه لم يكن لهم ان يأمنوا لو كانوا يعلمون ، فان وجود النعم ليس دليلا على دوامها ، فكم من نعمة زالت بكفر أهلها ، وهذا ما كان يجهله الذين قالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء ، فرأوا صورة الواقع وجهلوا أسبابه . واما الحاضرون فلا يعذرون بالجهل ، بعد ان بين لهم القرآن كنه الامر ، وسنن اللّه في الخلق ، ولكن أدعياء القرآن ، قد صاروا اجهل البشر بما جاء به القرآن ، ويدعي بعضهم ان سبب جهلهم الانتماء إلى دين القرآن ! ! ! * * * أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ؟ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ قال الراغب المكر صرف الغير عما تقصده بحيلة . وقسمه إلى محمود ومذموم . وأصح منه وأدق قولنا في تفسير ( 3 : 54 وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ) : المكر في