الشيخ محمد رشيد رضا

271

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لكم 9 واشفوا المرضى الذين فيها وقولوا لهم : قد اقترب منكم ملكوت اللّه 10 وأية مدينة دخلتموها ولم يقبلوكم فأخرجوا إلى شوارعها وقولوا 11 حتى الغبار الذي لصق بنا من مدينتكم ننفضه لكم ، ولكن اعلموا هذا أنه قد اقترب منكم ملكوت اللّه ) - فظهر ان كلا من يحيى وعيسى والحواريين والتلاميذ السبعين بشر بملكوت السماوات ، وبشر عيسى عليه السّلام بالألفاظ التي بشر بها يحيى عليه السّلام ، فعلم أن هذا الملكوت كما لم يظهر في عهد يحيى عليه السّلام فكذلك لم يظهر في عهد عيسى عليه السّلام ، ولا في عهد الحواريين والسبعين ، بل كل منهم مبشر به ومخبر عن فضله ومترج لمجيئه ، فلا يكون المراد بملكوت السماوات طريقة النجاة التي ظهرت بشريعة عيسى عليه السّلام ، والا لما قال عيسى عليه السّلام والحواريون والسبعون : ان ملكوت السماوات قد اقترب ، ولما علم التلاميذ أن يقولوا في الصلاة : وليأت ملكوتك ، لأن هذه الطريقة قد ظهرت بعد ادعاء عيسى عليه السّلام النبوة بشريعته ، فهو عبارة عن طريقة النجاة التي ظهرت بشريعة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فهؤلاء كانوا يبشرون بهذه الطريقة الجليلة ، ولفظ ملكوت السماوات بحسب الظاهر يدل على أن هذا الملكوت يكون في صورة السلطنة لا في صورة المسكنة ، وان المحاربة والجدال فيه مع المخالفين يكونان لأجله ، وان مبنى قوانينه لا بد أن يكون كتابا سماويا ، وكل من هذه الأمور يصدق علي الشريعة المحمدية وقول علماء المسيحية : ان المراد بهذا الملكوت شيوع الملة المسيحية في جميع العالم واحاطتها بكل الدنيا بعد نزول عيسى عليه السّلام . فتأويل ضعيف خلاف الظاهر ، ويرده التمثيلات المنقولة عن عيسى عليه السّلام في الباب الثالث عشر من إنجيل متى مثلا قال : ( 24 يشبه ملكوت السماوات انسانا زرع زرعا جيدا في حقله . . . ) ثم قال : ( 31 يشبه ملكوت السماوات حبة خردل أخذها انسان وزرعها في حقله . . . ) ثم قال ( 33 يشبه ملكوت السماوات خميرة أخذتها امرأة وخبأتها في ثلاثة أكيال دقيق حتى اختمر الجميع ) فشبه ملكوت السماوات بانسان زارع لا بنمو الزراعة وحصادها ، وكذلك شبه بحبة خردل لا بصيرورتها شجرة