الشيخ محمد رشيد رضا
25
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وأما المؤمنون فان ما يفتح عليهم يكون بركة ونعمة ويكون أثره فيهم الشكر للّه عليه والرضا منه والاغتباط بفضله ، واستعماله في سبيل الخير دون الشرّ ، وفي الاصلاح دون الافساد ، ويكون جزاؤهم عليه من اللّه تعالى زيادة النعم ونموها في الدنيا وحسن الثواب عليها في الآخرة ، فالفارق بين الفتحين يؤخذ من جعل هذا من البركات الربانية ، ومن تنكيره الدال على أنواع لم يعهدها الكفار ، ومما ورد في الآيات الأخرى الدالة على أن غاية هداية الايمان لجمع بين سعادة الدنيا والآخرة ، كقوله تعالى خطابا للبشر موجها لابويهم من قصة آدم في سورة طه ( 20 ، 120 فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى ( 121 ) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ) وقوله في خطاب بني آدم من هذه السورة بعد ذكر قصته المبينة الخواص هذا النوع وحكم اللّه في حلقه والأصول العامة لدين الرسل الذين يبعثهم لهدايته 7 ، 31 يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ( 32 ) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ؟ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ ، كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) فراجع تفسيرهما في الجزء الثامن من التفسير فهذا بيان لكون أصل الدين يقتضي سعادة الدنيا قبل الآخرة من أول النشأة البشرية في عهد آدم وتقدم آنفا ما انزله تعالى على نوح وهو الأب الثاني للبشر وقال تعالى حكاية عن هود في سورته ( 11 : 52 وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ ) وهذه الآيات كلها حجج على أعداء الاسلام من المنتمين اليه ومن غيرهم الزاعمين انه - وكذا كل دين الهى - سبب للضعف والفقر ! ! وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ من أعمال الشرك الخرافية والمعاصي المفسدة لنظام الاجتماع البشري ، فكان أخذهم بالعقاب أثرا لازما لكسبهم بحسب سنن الكون ، وعبرة لأمثالهم ان كانوا يعقلون * * * ( 96 ) أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ ( 97 ) أَ وَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ