الشيخ محمد رشيد رضا

258

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

من بين اخوتك بدل من قوله من بينك بدل اشتمال على رأي ابن الحاجب ومتبعيه القائلين بكفاية علاقة الملابسة غير الكلية والجزئية في تحقق هذا البدل نحو جاءني زيد أخوه ، وجاءني زيد غلامه ، وبدل اضراب على رأي ابن مالك ، والمبدل منه على كلا التقديرين غير مقصود ، ويدل على كونه غير مقصود أن موسى عليه السّلام لما أعاد هذا الوعد من كلام اللّه في الآية الثامنة عشرة لم يوجد فيه لفظ من بينك ، ونقل بطرس الحواري أيضا هذا القول ولم يوجد فيه هذا اللفظ كما علمت في الوجه السابع ، وكذا نقله استفانوس أيضا ولم يوجد في نقله أيضا هذا اللفظ كما صرح به في الباب السابع من كتاب الاعمال وعبارته هكذا ( هذا هو موسى الذي قال لبني إسرائيل نبيا مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من اخوتكم له تسمعون ) فسقوطه في هذه المواضع دليل على كونه غير مقصود فاحتمال البدل قوي جدا . وقال صاحب الاستفسار : إن لفظ من بينك إلحاقي زيد تحريفا ويدل عليه ثلاثة أمور ( الأول ) ان المخاطبين في هذا الموضوع كانوا بني إسرائيل كلهم لا البعض فقوله : من بينك خطاب لجميع القوم فصار لفظ من اخوتك لغوا محضا لا معنى له ، لكن لفظ من اخوتك جاء في الموضع الآخر أيضا فيكون صحيحا ، ولفظ من بينك إلحاقيا زيد تحريفا ( الثاني ) ان موسى عليه السّلام لما نقل كلام اللّه لاثبات قوله لم يوجد فيه هذا اللفظ ولا يجوز أن يكون ما قال موسى مخالفا لما قاله اللّه ( والثالث ) ان الحواريين كلما نقلوا هذا الكلام لم يوجد فيه لفظ من بينك . وان قلتم ان المحرف إذا حرف فلم لم يحرف الكلام كله ؟ ( قلت ) نحن نرى في محاكم العدالة دائما ان القبالجات المحرفة يثبت تحريف الالفاظ المحرفة فيها من مواضع أخرى منها غالبا « 1 » وان شهود الزور يؤخذ ببعض بياناتهم . فالوجه الوجيه على أن عادة اللّه جارية بأنه لا يهدي كيد الخائنين وبأنه يظهر خيانة خائن الدين بمقتضى رحمته ، فبمقتضى هذه العادة يصدر عن الخائن شيء ما تظهر به خيانته ، على أنه لا توجد ملة يكون أهلها كلهم خائنين . فالخائنون الذين حرفوا كتب العهدين كان لهم لحاظ ما « 2 » من جانب بعض المتدينين فلذلك ما بدلوا الكل انتهى

--> ( 1 ) لعل معنى القبالجات الوثائق والمستندات ومعنى الجملة أنها على وجود التحريف فيها يحتج ببعض عباراتها على اثبات التحريف فيها « وكذا على غيره » ( 2 ) لعله أراد ان يقول : كان عليهم عيون ورقباء