الشيخ محمد رشيد رضا
23
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
تبقى الا بالفضيلة ، والفضيلة لا تتحقق الا بالدين ، ولا يوجد دين يتفق مع العلم والمدنية الا الاسلام ، وانما عاشت المدنية الغربية هذه القرون بما كان فيها من التوازن بين بقايا الفضائل المسيحية ، مع التنازع بين العلم الاستقلالي والتعاليم الكنسية ، فان الأمم لا تنسلّ من فضائل دينها ، بمجرد طروء الشك في عقائده على أذهان بعض الافراد والجماعات منها ، وانما يكون ذلك بالتدريج في عدة أجيال ، وقد انتهى التنازع ، بفقد ذلك التوازن ، وأصبح الدين والحضارة على خطر الزوال ، واشتدت حاجة البشر إلى إصلاح روحي مدني ثابت الأركان ، يزول به استعباد الأقوياء للضعفاء ، واستذلال الأغنياء للفقراء ، وخطر البلشفية على الأغنياء ، ويبطل به امتياز الأجناس ، لتحقق الاخوة العامة بين الناس ، ولن يكون ذلك الا بحكومة الاسلام ، التي بيناها بالاجمال في هذا الكتاب ؛ ونحن مستعدون للمساعدة على تفصيلها ، إذا وفق اللّه للعمل بها « أيها الشعب التركي الباسل : انك اليوم أقدر الشعوب الاسلامية ، على أن تحقق للبشر هذه الأمنية ، فاغتنم هذه الفرصة لتأسيس مجد إنساني خالد ، لا يذكر معه مجدك الحربي التالد ، ولا يجرمنك المتفرنجون على تقليد الإفرنج في سيرتهم ، وأنت أهل لان تكون إماما لهم بمدينة خبر من مدينتهم ، وما ثم الا المدنية الاسلامية ، الثابتة قواعدها المعقولة على أساس العقيدة الدينية ، فلا تزلزلها النظريات التي تعبث العمران ، وتفسد نظم الحياة الاجتماعية على الناس » نصحنا للشعب التركي بهذا ولكن زعماءه الكماليين اليوم كزعمائه الاتحاديين من قبلهم قد فتنوا بهذه المدينة المادية ، وجهلوا كنه الاسلام والحكومة الاسلامية ، وقد اعذرنا إليهم ببيانها ، وانذرناهم عذاب اللّه باهمالها ، فتماروا بالنذر ، وطفقوا يطمسون ما بقي من الاسلام في حكومتهم وأمتهم ، وسنرى ما يكون من امرهم ، وقد ظهر ما كان مستورا من فساد سريرتهم ، ونسأله تعالى لنا ولهم صلاح الحال ، وحسن المآل . * * * ( 95 ) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ لما بين اللّه سبحانه أخذه لأهل القرى الذين كذبوا الرسل بما كان من كفرهم