الشيخ محمد رشيد رضا
235
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عن الأنبياء المتقدمين عليهم السّلام . ولا ندعي ان الأنبياء الذين أخبروا عن محمد صلى اللّه عليه وسلم كان اخبار كل منهم بصفته مفصلا بحيث لا يكون فيه مجال التأويل للمعاند قال الامام الفخر الرازي في ذيل تفسير قوله تعالى ( وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) : واعلم أن الأظهر في الباء في قوله ( بِالْباطِلِ ) انها باء الاستعانة كالتي في قولك كتبت بالقلم . والمعنى ( لا تَلْبِسُوا الْحَقَّ ) بسبب الشبهات التي توردونها على السامعين . وذلك لان النصوص الواردة في التوراة والإنجيل في أمر محمد عليه السّلام كانت نصوصا خفية تحتاج في معرفتها إلى الاستدلال ، ثم إنهم كانوا يجادلون فيها ويشوشون وجه الدلالة على المتأملين فيها بسبب القاء الشبهات ، انتهى كلامه بلفظه وقال المحقق عبد الحكيم السيالكوتي في حاشيته على البيضاوي : هذا فصل يحتاج إلى مزيد شرح ، وهو انه يجب أن يتصور ان كل نبي أتى بلفظة معرضة وإشارة مدرجة ، لا يعرفها الا الراسخون في العلم ، وذلك لحكمة إلهية . وقد قال العلماء : ما انفك كتاب منزل من السماء من تضمن ذكر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لكن بإشارات ، ولو كان منجليا للعوام لما عوتب علماؤهم في كتمانه . ثم ازداد ذلك غموضا بنقله من لسان إلى لسان من العبراني إلى السرياني ، ومن السرياني إلى العربي . وقد ذكرت محصلة ألفاظ من التوراة والإنجيل إذا اعتبرتها وجدتها دالة على صحة نبوته عليه السّلام ، بتعريض هو عند الراسخين في العلم جلي ، وعند العامة خفي ، انتهى كلامه بلفظه ( الأمر الثالث ) ادعاء أن أهل الكتاب ما كانوا ينتظرون نبيا آخر غير المسيح وإيليا ادعاء باطل لا أصل له ، بل كانوا منتظرين لغيرهما أيضا لما علمت في الأمر الثاني أن علماء اليهود المعاصرين لعيسى عليه السّلام سألوا يحيى عليه السّلام أولا أنت المسيح ؟ ولما أنكر سألوه : أنت إيليا ؟ ولما أنكر سألوه : أنت النبي ؟ أي النبي المعهود الذي أخبر به موسى ، فعلم أن هذا النبي كان منتظرا مثل المسيح وإيليا ، وكان مشهورا بحيث ما كان محتاجا إلى ذكر الاسم ، بل الإشارة اليه كانت