الشيخ محمد رشيد رضا

233

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عليه السّلام أو إيليا عليه السّلام أو النبي المعهود الذي أخبر عنه موسى عليه السّلام ، فظهر منه ان علامات هؤلاء الأنبياء الثلاثة لم تكن مصرحة في كتبهم بحيث لا يبقى الاشتباه للخواص « 1 » فضلا عن العوام ، فلذلك سألوا أولا : أنت المسيح ؟ فبعد ما أنكر يحيى عليه السّلام عن « 2 » كونه مسيحا ، سألوه : أنت إيليا ؟ فبعد ما أنكر عن « 2 » كونه إيليا أيضا سألوه أنت النبي أي ( المعهود ) ؟ ولو كانت العلامات مصرحة لما كان للشك محل ، بل ظهر منه ان يحيى عليه السّلام لم يعرف نفسه انه إيليا حتى أنكر فقال : لست أنا ، وقد شهد عيسى انه إيليا في الباب الحادي عشر من إنجيل متى قول ( ؟ ) عيسى عليه السّلام في حق يحيى عليه السّلام هكذا 14 ( وان أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي ) وفي الباب السابع عشر من إنجيل متى هكذا 10 ( وسأله تلاميذه قائلين فلماذا يقول الكتبة : إن إيليا ينبغي أن يأتي أولا ) 11 ( فأجاب يسوع وقال لهم : إن إيليا يأتي أولا ويرد كل شيء ) 12 ( ولكني أقول لكم : إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه ، بل عملوا به كل ما أرادوا ، كذلك ابن الانسان أيضا سوف يتألم منهم ) 13 ( حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان ) وظهر من العبارة الأخيرة أن علماء اليهود لم يعرفوه بأنه إيليا وفعلوا به ما فعلوا ، وان الحواريين أيضا لم يعرفوه بأنه إيليا ، مع أنهم كانوا أنبياء في زعم المسيحيين وأعظم رتبة من موسى عليه السّلام ، وكانوا اعتمدوا من يحيى عليه السّلام ورأوه مرارا ، وكان مجيئه ضروريا قبل إلههم ومسيحهم - وفي الآية 33 من الباب الأول من إنجيل يوحنا قول يحيى هكذا ( وأنا لم أكن أعرفه لكن الذي أرسلني لا عمد بالماء ذاك قال لي : الذي ترى الروح نازلا ومستقرا عليه فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس ) ومعنى قوله ( وأنا لم أكن أعرفه ) على زعم القسيسين أنا لم أكن أعرفه معرفة جيدة بأنه المسيح الموعود به ، فعلم أن يحيى عليه السّلام ما كان يعرف عيسى عليه السّلام معرفة يقينية بأنه المسيح الموعود به إلى ثلاثين سنة ما لم ينزل الروح القدس ، لعل كون ولادة المسيح من العذراء لم يكن من

--> ( 1 ) كذا والمراد بحيث لا تبقى فيها اشتباه على الخواص بل كانت مجملة لا تخلو من الخفاء والاشتباه ( 2 ) كلمة عن زائدة إذ يقال انكر الشيء لا أنكر عنه