الشيخ محمد رشيد رضا
229
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
تكليفهم وصعوبته نحو اشتراط قتل الأنفس في صحة توبتهم . وكذلك الاغلال مثل لما كان في شرائعهم من الأشياء الشاقة ، قالهما الزمخشري . وذكر للثاني عدة أمثلة من شدة أحكام التوراة . وقال ابن كثير : أي أنه جاء بالتيسير والسماحة كما ورد الحديث من طرق عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « بعثت بالحنيفية السمحة » وقال ( ص ) لاميريه معاذ وأبي موسى الأشعري لما بعثهما إلى اليمن « بشروا ولا تنفروا ، ويسروا ولا تعسروا ، وتطاوعا ولا تختلفا » والحديث رواه الشيخان وغيرهما وحاصل ما تقدم ان بني إسرائيل كانوا فيما أخذوا به من الشدة في احكام التوراة من العبادات والمعاملات الشخصية والمدنية والعقوبات كالذي يحمل أثقالا يئط منها وهو مع ذلك موثق بالسلاسل والاغلال في عنقه ويديه ورجليه . وقد بينا في مواضع أخرى حكمة أخذ بني إسرائيل بالشدة في الاحكام وأن المسيح عليه السّلام خفف عنهم بعض التخفيف في الأمور المادية وشدد عليهم في الاحكام الروحية لما كان من افراطهم في الأولى وتفريطهم في الأخرى ، وكل هذا وذاك قد جعله اللّه تعالى تربية موقوتة لبعض عباده ليكمل استعدادهم للشريعة الوسطي العادلة السمحة الرحيمة التي يبعث بها خاتم الرسل الذي أوجب اتباعه على كل من أدركه من الرسل وأقوامهم فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يطلق التعزير في اللغة على الرد والضرب والمنع والتأديب والتعظيم . وقال الراغب : التعزير النصرة مع التعظيم . وروي عن ابن عباس : عزروه عظموه ووقروه . ولكن ورد في سورة الفتح ( لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ) والأقرب إلى فقه اللغة ما حققه الزمخشري في الكشاف هنا قال ( وَعَزَّرُوهُ ) ومنعوه حتى لا يقوى عليه عدو ، وأصل العزر المنع ، ومنه التعزير للضرب دون الحد ، لأنه منع عن معاردة القبيح ألا ترى إلى تسميته الحد ، والحد هو المنع اه جاء في لسان العرب بعد نقل الأقوال ، وجعله من قبيل الاضداد : والعزر النصر بالسيف ، وعزره عزرا ، وعزره ( تعزيرا ) أعانه وقواه ونصره ، قال اللّه تعالى ( لتعزروه وَتُوَقِّرُوهُ ) وقال تعالى ( وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ) جاء في التفسير .