الشيخ محمد رشيد رضا
21
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ ( 117 ) وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ) القرون هي الأجيال والشعوب ، وأولو بقية : أصحاب بقية من دين وتقوى وعقل وحكمة ، روى ابن مردويه عن أبي بن كعب قال أقرأني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ( فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية - وأحلام - ينهون عن الفساد في الأرض ) والأحلام العقول الراجحة « 1 » . والمراد من التحضيض في الآية الأولى النفي اي انه كان ينبغي ان يكون في القرون الذين كانوا قبل ظهور الاسلام بالاصلاح العام أصحاب بقية من دين موسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء أو حكماء العقلاء الذين فسر بهم الآمرون بالعدل في قوله تعالى ( وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ ) ولكن لم يكن ذلك الا قليلا ممن أنجينا منهم ، واتبع الأكثرون ما اترفوا فيه من الشهوات واللذات ، وكانوا ظالمين لأنفسهم وللناس ، اي أزال اللّه ملكهم بظلمهم وبطرهم وتركهم للاصلاح في الأرض . قال مجاهد في اتباع هذا الاتراف : في ملكهم وتجبرهم وتركهم الحق . ومعنى الآية الثانية انه لم يكن من شأن ربك أيها الرسول المصلح ولا من سنته في خلقه ان يهلك العواصم والمدائن بظلم منه أو بشرك من أهلها والحال أنهم مصلحون في أحكامهم وأعمالهم ، وفي التفسير المرفوع إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه سئل عن قوله تعالى ( وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ) فقال « وأهلها ينصف بعضهم بعضا » رواه الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي عن جرير « رض » وروي عنه موقوفا أيضا وهؤلاء البقية لا نخلو منهم أمة فهم حجة اللّه على الأقوام ، ومتى قلوا في أمة غلب عليها الفساد ، وقرب انتقام اللّه منها . وقد شهد القرآن بوجود أناس منهم كانوا في أهل الكتاب . وهم يقلون في أوربة عاما بعد عام ، وقد كان من أصحاب الأحلام منهم الفيلسوف هربرت سبنسر الانكليزي الذي نهى اليابانيين عن الاستعانة بقومه الانكليز على اصلاح بلادهم فيها ، وقال لهم انهم إذا دخلوها لا يخرجون منها . وقال للأستاذ الامام حين تلاقيا بمدينة ( بريتن في صيف سنة 1321 ( 10 أغسطس سنة 1903 ) ما ترجمته : محي الحق من عقول أهل
--> ( 1 ) ما ورد في أحاديث الآحاد مثل هذا مما لا تثبت به قراءة فهو من قبيل التفسير فإن كان ظاهر لفظه أنه قراءة حمل على إنه مروي بالمعنى