الشيخ محمد رشيد رضا

219

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

توفيقك ، بل أمر مشيئتك دائر بين العدل والفضل ، ولك الخلق والامر ، أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ أي أنت المتولي لأمورنا ، والقائم علينا بما تكتسب نفوسنا ، فاغفر لنا ما تترتب عليه المؤاخذة والعقاب من مخالفة سنتك ، أو التقصير فيما يجب من ذكرك وشكرك وعبادتك ، بأن تستر ذلك علينا ، وتجعله بعفوك كأنه لم يصدر عنا ، وارحمنا برحمتك الخاصة ، فوق ما شملت به الخلق كلهم من رحمتك العامة ، وأنت خير الغافرين حلما وكرما وجودا ، فلا يتعاظمك ذنب ، ولا يعارض غفرانك ما يعارض غفران سواك من عجز أو ضعف أو هوى نفس - وما ذكر في المغفرة يدل على اعتبار مثله في الرحمة لدلالته عليه - أي وأنت خير الراحمين رحمة وأوسعهم فيها فضلا واحسانا ، فان رحمة جميع الراحمين من خلقك ، نفحة مفاضة على قلوبهم من رحمتك ، حذف ذكر الرحمة استغناء عنه بذكر المغفرة فان ترتيب التذييل في الثناء عليه تعالى على طلب مغفرته ورحمته معا ، يقتضي أن يكون هذا الثناء بهما معا ، فاكتفى بذكر الأولى لدلالتها على الثانية قطعا ، فهو من الايجاز المسمى في علم البديع بالاكتفاء ، وقد غفل عن هذا من قال من المفسرين انه اكتفى بذكر المغفرة لأنها الأهم ، ولم لم يكتف بذكر الرحمة لأنها أعم ، ولأنها قد تستلزم المغفرة دون العكس ، فان معنى المغفرة سلبى وهو عدم المؤاخذة على الذنب ، والرحمة فوق ذلك فهي احسان إلى المذنب لا يستحقه الا بعد المغفرة ولذلك يقدم ذكر المغفرة على ذكر الرحمة ، لان التخلية كما يقولون مقدمة على التحلية ، فلا يليق خلع الحلل النفيسة ، إلا على الأبدان النظيفة ، وقد قال موسى عليه السّلام في دعائه لنفسه ولأخيه ( رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ ) الآية ، وقال نوح عند توبته من سؤاله النجاة لولده الكافر ( وإلا تغفرلي وترحمني أكن من الخاسرين ) وعلمنا تعالى من دعائه في خاتمة سورة البقرة ( وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا ) وفلما ذكر اسم اللّه ( الْغَفُورُ ) * في كتابه العزيز الا مقرونا باسمه ( الرَّحِيمِ ) * ومن غير الأكثر قرنه بالشكور وبالحليم وبالودود ويقرب معناهن من معنى الرحيم ، وورد قرنه بالعفو وبالعزيز لاقتضاء المقام ذلك ودعاء موسى عليه السّلام هنا لنفسه مع قومه بضمير الجمع قد اقتضاه مقام المناجاة والمعرفة الكاملة ، ومن كان أعرف باللّه وأكمل استحضارا لعظمته ، كان