الشيخ محمد رشيد رضا

19

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( قلنا ) اننا كشفنا أمثال هذه الشبهات ، في تفسير كثير من الآيات ، وفي غير التفسير من المنار ، وبينا مرارا أن المسلمين قد تركوا هداية القرآن في حكوماتهم ومصالحهم العامة ، وفوضوا أمورهم إلى حكامهم الذين يندر أن يوجد منهم من له إلمام بتفسيره أو علم السنة ، حتى من سلموا لهم بمنصب خلافة النبوة - كما تركوا هداية الكتاب والسنة في أعمال الافراد ، فأكثرهم لا يعرف من دينه الا ما يسمعه ويراه ممن يعيش معهم من قومه وفيه الحق والباطل والسنة والبدعة ، وأقلهم يتلقى عن بعض الشيوخ بعض كتب الكلام الجدلية التي ألفت للرد على فلسفة نسخت وبدع باد أهلها ، وكتب الفقه التقليدية الخالية من جل هداية القرآن والسنة في مثل موضوع الآيات التي نحن بصدد تفسيرها ، وما أشرنا اليه في هذا التفسير من آيات الشواهد ، حتى بلغ الجهل من المسلمين في أم المسائل الخاصة بحياتهم السياسية التي هي مناط دولتهم وبقاء ملكهم أو زواله ( وهي مسألة الإمامة العظمى ، أن يكتب الافراد والجماعات من علمائهم فيها ما هو مخالف لجميع أئمتهم ومذاهبهم ولاجماع سلفهم ، على نهافت ظاهر ، واختلاف فاضح . على أن العلماء المتقدمين قد قصروا في هذه المسألة وهم الذين كان العلم صفة من صفاتهم وملكة من ملكاتهم ، لا ورقة شهادة يحملونها ممن سبق الاجماع على أن مثلهم من المقلدين لا يعد عالما في خاصة نفسه ، حتى يعتد بشهادته لغيره ، بله ما عرف عن بعضهم من شهادة الزور ، وقول الكذب واكل السحت ، وقد استسفر بعض مجاوري الأزهر المقدمين لامتحان شهادة العالمية واحدا منهم لعرض الرشوة على الأستاذ الامام رحمه اللّه تعالى ليساعدهم في الامتحان فضربه الأستاذ رحمه اللّه بيديه ، ورفسه برجليه ، وقال له : يا عدو اللّه أتريد أن أغش المسلمين بك وبأمثالك من الجاهلين بعد هذه الشيبة وانتظار لقاء اللّه ، فأكون ممن يشترون بآيات اللّه ثمنا قليلا ؟ ولو كنت ممن يطّبيهم المال ، ويحفلون بجمعه ولو من الحلال ، لكنت من أغنى الأغنياء ؟ ولما كان القرآن هو الذي هدى المسلمين إلى أنواع العلم ، وأعطاهم الحكمة والحكم ، كان تركهم لهدايته هو الذي سلبهم ذلك حتى انقلب الامر ، والعكس الوضع ، واتبعوا سنن من قبلهم شبرا بشبر وذراعا بذراع - كما صح في الحديث - فالسواد الأعظم الجاهل اتبع سنن أهل الكتاب في شر ما كانوا عليه في طور جهلهم من الخرافات ، وابتداع الاحتفالات ، وتقليد الآباء والأجداد ، واتخاذ