الشيخ محمد رشيد رضا

199

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ومنهم متفرنجة المسلمين الجغرافيين في هذا العصر يحتقرون هداية الدين الروحية وما لها من التأثير العظيم في تهذيب النفس وحملها على الخير وصدها عن الشرور من الفواحش والمنكرات ، وإنما غرهم وأصلهم انهم في عصر وصل فيه الغربيون إلى غاية بعيدة من الفنون والصناعات ، كأنهم يرون ان من عاش في هذا العصر يجب أن يكون مثلهم عبدا لشهواته ، ومقتضى ذلك أنه كان الأفضل لبنى إسرائيل ان لا يتبعوا موسى عليه السّلام لأنه لم يكن عنده من زينة الدنيا وقوتها وصناعاتها وفنونها ما كان عند فرعون وقومه ، ( فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ ) * * * ثم قال تعالى وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ ؟ الآيات في الآية التي قبل هذه بمعنى الدلائل والبينات من براهين عقلية ، نظرية كانت أو علمية أو كونية ، كآياته تعالى في الأنفس والآفاق ، ومنها معجزات الأنبياء عليهم السّلام وأظهرها وأقواها القرآن العظيم ، من حيث هو دال على صدق النبي الأمي في دعوى الرسالة من وجوه كثيرة تقدم بيانها - وأما الآيات المذكورة في هذه الآية فالظاهر المتبادر أنها الآيات المنزلة من حبث اشتمالها على الهداية والاصلاح بتزكية الأنفس من خرافات الشرك وفساد الاخلاق ومنكرات الاعمال . واللقاء مصدر لقي الشيء أو الشخص ولاقاه كالملاقاه إذا صادقه أو قابله أو انتهى اليه يقال لقي زيدا ولاقاه ولقي خيرا أو شرا ( لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا ) * ومن يلق خيرا يحمد الناس أمره * ولفي جزاءه . قال الراغب وملاقاة اللّه عز وجل عبارة عن القيامة وعن المصير اليه قال ( وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ * و قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ ) والمعنى والذين كذبوا بآياتنا المنزلة بالحق والهدى على رسلنا فلم يؤمنوا لهم ولا اهتدوا بها ، وكذبوا بلقاء الآخرة وما يكون فيها من الجزاء على الاعمال - على الخبر بالثواب وعلى الشر بالعقاب فاتبعوا أهواءهم - لا يجزون هنالك الا ما كان من تأثير أعمالهم النفسية والبدنية معا أو النفسية فقط ( كترك الواجبات ) في أرواحهم وأنفسهم من حق وخير زكاها وأصلحها أو من باطل وشر دسّاها وأفسدها - ان اللّه لا يظلم الناس في الجزاء مثقال ذرة وانما مضت سنته بجعل الجزاء في الآخرة أثرا للعمل مرتبا عليه ترتب المسبب على السبب كأنه هو نفسه وقد شرحنا هذا المعنى مرارا « تراجع كلمة جزاء في فهارس التفسير »