الشيخ محمد رشيد رضا

197

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

التي آتيتها رسولي موسى - والتكبر صيغة تكلف أو تكثر من الكبر الذي هو غمط الحق بعدم الخضوع له واحتقار الناس ، فهو شأن من يرى أنه أكبر من أن يخضع لحق ، أو يساوي نفسه بشخص ، والأصل الغالب في التكبر ان يكون بغير الحق وقد يتصور أن يتكلف الانسان اعلاء نفسه على غيره أو اكثاره من الاستعلاء عليه بحق كالترفع عن المبطلين وإهانة الجبارين واحتقار المحاربين . فقوله تعالى ( بِغَيْرِ الْحَقِّ ) يكون على هذا صلة للتكبر وهو قيد له ، وإلا كان بيانا للواقع . أو المعنى انهم يتكبرون حالة كونهم متلبسين بغير الحق أي منغمسين في الباطل فأمثال هؤلاء لا قيمة للحق في نفسه عندهم فهم لا يطلبونه ولا يبحثون عنه وقد تظهر لهم آياته ويجحدونها وهم بها موقنون ، كما قال تعالى في آل فرعون ( وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا ) وقال في طغاة قريش ( فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها هذا إما عطف على جملة ( سأصرف . . ) أي سأصرفهم عن آياتي المنزلة والكونية فينصرفون وان يروا كل آية لا يؤمنوا بها - وأما عطف على ( يَتَكَبَّرُونَ ) فيكون هو وما بعده بيانا لصفات المتكبرين وأحوالهم وأولها أنهم ان يروا كل آية من الآيات التي تدل على الحق وتثبت وجوده لا يؤمنوا بها فان كثرة الآيات بتعدد أنواعها وأفرادها انما تفيد من كان طالبا للحق ولكنه جاهل أو شاك أو سئ الفهم فإذا خفيت عليه دلالة بعضها فقد تظهر له دلالة غيره ، وفي هذا اعلام للنبي « ص » بأن الذين يقترحون عليه الآيات من قومه انما يقصدون التعجيز ، لا استبانة الحق بالدليل ، فهم ان أجيبوا إلى طلبهم لا يؤمنون ، ولهذا نظائر تقدم بعضها في سورة الأنعام مفصلا تفصيلا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا الرشد الصلاح والاستقامة وضده الغي وهو الفساد ، وفيه ثلاث لغات ضم أوله وسكون ثانيه وبه قرأ الجمهور هنا - وفتحهما وبها قرأ حمزة والكسائي - والرشاد وقد وردت في سورة المؤمن حكاية عن فرعون ( وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ ) ومثلها السقم والسقم والسقام - والمعنى ان من صفة هؤلاء الذين مرنوا على الضلال