الشيخ محمد رشيد رضا
193
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والعزيمة أفضل من الرخصة ومثل هذا التعبير قوله تعالى ( وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ) والمجال فيه أوسع فان القرآن أحسن ما أنزله اللّه تعالى إلى خلقه على ألسنة رسله باكماله تعالى الدين به وبغير ذلك من مزاياه ، والخطاب فيه لامة الدعوة أي للناس كافة لأنه معطوف على قوله ( وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ ) ثم إن فيما أنزله فيه العزيمة والرخصة وفيه من الندب ما هو أفضل من مقابله كالصدقة بالدين بدل انظار المعسر به وهو واجب وكالعفو في مقابلة القصاص وقوله تعالى ( سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ ) من حكاية خطابه لقوم موسى بالتبع له إذ وجه الامر فيما قبله اليه وإليهم ، فهو داخل في مقول القول الذي خوطب به نبينا ( ص ) من قصتهم ، والجملة استئناف لبيان عاقبة الذين فسقوا عن امر اللّه وجحدوا بآياته فلم يأخذوا بأحسنها ، كأنه يقول إن لم تأخذوا ما آتيناكم بقوة ونتبعوا أحسنه كنتم فاسقين عن امر ربكم فيحل بكم ما حل بالفاسقين من قوم فرعون الذين أنجاكم اللّه منهم ونصركم عليهم وسيريكم ما حل بهم بعدكم من الغرق ، أو الفاسقين من سكان البلاد المقدسة والمباركة التي وعدكم إياها وسينصركم عليهم بطاعتكم له وأخذكم ميثاقه بقوة قال الحافظ ابن كثير في تفسيرها : أي سترون عاقبة من خالف أمري وخرج عن طاعتي كيف يصير إلى الهلاك والدمار والتباب . وقال ابن جرير وإنما قال ( سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ ) كما يقول القائل لمن يخاطبه : سأريك غدا ما يصير اليه حال من خالفني - على وجه التهديد والوعيد لمن عصاه وخالف أمره . ثم نقل معنى ذلك عن مجاهد والحسن البصري . وقيل معناه سأريكم دار الفاسقين أي من أهل الشام وأعطيكم إياها ، وقيل منازل قوم فرعون . والأول أولى واللّه أعلم لان هذا كان بعد انفصال موسى وقومه عن بلاد مصر وهو خطاب لبنى إسرائيل قبل دخولهم التيه ؛ واللّه أعلم اه ومن مباحث رسم المصحف الامام أن كلمة ( سَأُرِيكُمْ ) زيد فيها واو قبل الراء لئلا تشتبه بسأراكم إذ كانوا يرسمونها بالياء غير منقوطة فالمراد بها ضبط الكلمة كالضمة واللّه أعلم والعبرة التي يجب أن يتذكرها ويتدبرها كل قارئ لهذه الآية من وجوه ( أحدها ) أن الكتاب الإلهي يجب أخذه بقوة إرادة وجد عزيمة لتنفيذ ما هدى اليه من الاصلاح وتكوين الأمة تكوينا جديدا صالحا ، ويتأكد ذلك في الرسول